اغلاق

كنيسة المهد وفيروس الكورونا، بقلم: د. حنا عيسى

إن كنت تبحث عن أرض للسلام ، فعليك بساحة المهد في بيت لحم ، هي أرض مرصوفة بحجارة قديمة ، تحيط بها كنيستا المهد والقديسة كاتيرينا ، ومسجد عمر بن الخطاب ،


صورة من د. حنا عيسى

وبلدية بيت لحم ، ومركز السلام. يحج الناس من كل أنحاء العالم إلى بيت لحم ، يتجمعون في ساحة المهد التي تتزين مستقبلة مئات آلاف الحجاج والزوار في عيد الميلاد ورأس السنة).

سر الباب الصغير
(تسير بضع خطوات في الساحة فتجد بابا صغيرا ، يضطرك للانحناء قبل أن تدخل إلى كنيسة المهد.حيّر شكل الباب الصغير المؤرخين والمهتمين بتاريخ الكنيسة ، فذهب البعض إلى القول إن الهدف منه هو إجبار كل زائر على الانحناء مهما علت منزلته ، تكريما لهذا المكان المقدس الذي ولد فيه السيد المسيح.
آخرون قالوا إن الأمر يتعلق بسهولة إغلاق الباب إذا تعرضت الكنيسة لأي هجوم أو اقتحام.أما الرأي الثالث فيقول إن الباب الصغير يمنع المقاتلين الفرسان من دخول الكنيسة على ظهور خيوله).
كنيسة المهد : هي الكنيسة التي ولد يسوع المسيح في موقعها، وهي تقع في بيت لحم جنوب الضفة الغربية، بناها الإمبراطور قسطنطين عام 335، وتعتبر كنيسة المهد من أقدم كنائس فلسطين والعالم، والأهم من هذا حقيقة أنَّ الطقوس الدينية تقام بانتظام حتّى الآن منذ مطلع القرن السادس الميلادي حين شيّد الإمبراطور الروماني يوستنيان الكنيسة بشكلها الحالي.
كانت كنيسة المهد هي الأولى بين الكنائس الثلاث التي بناها الإمبراطور قسطنطين في مطلع القرن الرابع الميلادي حين أصبحت المسيحية ديانة الدولة الرسمية وكان ذلك استجابة لطلب الأسقف ماكاريوس في المجمع المسكوني الأول في نيقيه عام 325 للميلاد.
دخلت كنيسة المهد سنة 2012  قائمة مواقع التراث العالمي، كنيسة المهد هي أول موقع فلسطيني يدرج ضمن لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو.

ومن مميزات البناء الذي أنشأه الإمبراطور قسطنطين أنه حوى في بنائه الأساسي مثمنًا فيه فتحة تؤدي إلى مغارة الميلاد حيث المذود والنجمة، غربًا يجد المرء بازيليكا كبيرة تنتهي ببهو محاط بالأعمدة والذي يُطلّ على مدينة بيت لحم.
تعرض بعض أجزاء الكنيسة للدمار عدة مرات، كان أولها في عام 529 م عندما دمرها السامريون، ويعتقد أنهم جماعة من اليهود ينسبون إلى عاصمتهم القديمة السامرة، وبعد ذلك أعاد الإمبراطور "جستنيان" بناء كنيسة المهد على نفس موقعها القديم، ولكن بمساحة أكبر، وكان ذلك في عام 535 م.
ولم تقف الاعتداءات على الكنيسة عند هذا الحد، ففي سنوات الحروب بين الفرس والرومان التي تمكن فيها الإمبراطور "هرقل" من طرد الفرس من ممتلكات الدولة الرومانية عام 641 م. تعرضت كنيسة المهد للهدم من قبل الفرس عام 614 م، بينما أبقى الفرس على بعض مباني الكنيسة عندما شاهدوا نماذج من الفن الفارسي الساساني على أعمدة وجدران الكنسية. وفي العصر الإسلامي وخاصة في فترات الحروب الصليبية انتزعها واحتلها الصليبيون حيث وجدوا في مظهرها وعمارتها الخارجية الشبيهة بالحصون والقلاع مكانا مناسبا لإدارة معاركهم.
ولكنيسة المهد أهمية خاصة في قلوب المسيحيين بمختلف طوائفهم، فبالإضافة إلى مكانتها التاريخية فهي أيضا تحمل مكانة دينية خاصة، فقد شيدت الكنيسة في نفس المكان الذي ولد فيه السيد المسيح عليه السلام، وتضم الكنيسة مايعرف بكهف ميلاد المسيح، وهو المكان الذي وضع فيه بعد مولده، وأرضيته من الرخام الأبيض، ويزين الكهف خمسة عشر قنديلا فضيا التي تمثل الطوائف المسيحية المختلفة والعديد من صور وأيقونات القديسين. والكنيسة عبارة عن مجمع ديني كبير، فهي تحتوي على مبنى الكنيسة بالإضافة إلى مجموعة من الأديرة والكنائس الأخرى التي تمثل الطوائف المسيحية المختلفة فهناك الدير الأرثوذكسي في الجنوب الشرقي، والدير الأرمني في الجنوب الغربي، والدير الفرنسيسكاني في الشمال الذي شيد عام 1881 م لأتباع الطائفة الفرنسيسكان،وتمت توسعة الكنيسة عام 1992.
وقد طالب الملك "ربورت دون جو" ملك نابولي (إحدى المدن الإيطالية) من الملك الناصر "محمد بن قلاوون" تاسع ملوك دولة المماليك البحرية عام 1333 م بالحصول على تصريح يسمح بإقامة رهبان فرنسيسكان في كنسية المهد والعديد من الأديرة بالقدس، وبذلك يصبح لهم تمثيل دائم في الأراضي المقدسة بفلسطين.
تقام الطقوس الدينية في كنيسة المهد حسب تقليد كنيسة الروم الأرثوذكس، والجدير بالذكر أنَّ الكنيسة تحوي زوايا للطوائف الشرقية المختلفة مثل السريان الأرثوذكس والأقباط الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس وغيرها.
وتحتل الساحة المبلطة أمام البازيليك جزءا من الرواق القديم الذي تحيط به العمدان. اما الواجهة التي تدعمها عدة عقود معمارية بنيت على مدار القرون، كان فيها ثلاثة أبواب للدخول. أما اليوم فلم يتبق منها سوى باب واحد وقد أضحى بدوره بالغ الصغر عبارة عن مدخل ضيّق منخفض . بالإمكان ملاحظة آثار الأبواب التي تعود إلى مختلف الحقب فوق المدخل. فنلاحظ أسلوب الزخرفة البيزنطية فالأقواس الصليبية.
يقودنا المدخل الضيق إلى دهليز مظلم بسبب إغلاق جميع نوافذ الواجهة. ثم نجد بابا خشبيا نحته فنانون أرمنيون عام ١٢٢٧. يؤدّي بنا إلى البازيليك.
فور دخولنا نجد إلى اليسار بابا صغيرا يقودنا إلى أروقة القديس هيرونيموس فكنيسة القديسة كاترينا.
تنقسم البازيليك إلى خمسة أروقة تفصل بينها أربع مجموعات من الأعمدة الحمراء ما زالت تظهر عليها آثار الرسومات القديمة. السقف عبارة عن ألواح من الخشب المكشوف يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر وقد تم ترميمه في القرن الماضي.
لم يبق من الموزاييك الذي كان يغطي الجدران سوى آثار قليلة. في الأصل (القرن الثاني عشر) كانت الرسوم تمثل شجرة عائلة يسوع بحسب رواية متى 1، 1-17 ولوقا 3، 23-38 (الجزء الجنوبي). وعلى الجزء الشمالي نجد المجامع الكنسية المتعلقة بسر التجسد ومشهد حياة يسوع. تحت مستوى الأرضية الحالية التي تعود إلى الحقبة الجوستنيانية يمكننا مشاهدة فسيفساء قسطنطين وهي عبارة عن أشكال هندسية.
على جانبي الهيكل الرئيسي في صدر البازيليك نجد المدخلين اللذين يؤديان إلى مغارة الميلاد. الأبواب البرونزية والمداخل المرمرية الضخمة تعود للحقبة الصليبية.
مغارة الميلاد عبارة عن شكل قائم الزاوية تغطيه الأقمشة الاسبستية الحريرية الناعمة لحمايتها من الحرائق. تحت الهيكل الرئيسي نجد نجمة فضية تشير إلى موضع ميلاد يسوع وعليها عبارة باللاتينية تقول: "هنا ولد يسوع المسيح من مريم العذراء".
 على يمين الناظر إلى الهيكل الرئيسي نجد المغارة التي تُدعى «مغارة المجوس» حيث كان المذود الذي وضع فيه الطفل يسوع.
في أخر المغارة نجد بابا يؤدي بنا إلى مغارات عديدة تحت الأرض. ويفتح هذا الباب خلال الإحتفالات الدينية اللاتينية فقط.
يرتبط تاريخ البازيليك منذ بنائها بتاريخ المدينة فهي بمثابة قلب المدينة النابض يمكن الوصول إليها من البازيليك عبر بابين، أحدهما إلى اليسار فور الدخول إلى البازيليك والآخر من المدخل الجانبي لهيكل الأرمن أو مباشرة من دير الفرنسيسكان. ويؤدي إليها رواق من العصور الوسطى غاية في الجمال. تمّ ترميمه عام ١٩٤٨. تقوم الكنيسة على بقايا دير القديس هيرونيموس القديم. على الجانب الجنوبي للرواق تمّ اكتشاف كنيسة صليبية مع رسومات للعذراء.
على الجانب الأيمن (للداخل إلى الكنيسة) تحت الهيكل الجانبي يُحتفظ بتمثال الطفل يسوع والذي يعرض ليلة عيد الميلاد في المغارة. قبل بلوغ هذا الهيكل نجد درجا يهبط بنا إلى مغارات تحت الأرض.

المغر تحت الأرض
تشير الحفريات التي قام بها الأب باچاتي الفرنسيسكاني إلى أن هذه المغارات كانت مستخدمة منذ القرن السادس ق.م. وتحولت في القرن الأول إلى قبور للمسيحيين الذين كانوا يرغبون بأن تدفن أجسادهم قرب الأماكن المقدسة.
مغارة القديس يوسف - ننزل الدرجات من كنيسة القديسة كاترينا فنبلغ غرفة المدخل وهي جزء من مغارة القديس يوسف الذي تم تكريس الجزء العلوي له منذ عام ١٦٢١. يمكن بلوغ هيكل القديس يوسف بواسطة ٥ درجات من كلا الجانبين. نجد إلى اليمين ممرا محفورا في الصخر يؤدي إلى مغارة الميلاد. يفتح كل يوم الساعة الثانية عشرة ظهراً خلال الدورة اليومية للآباء الفرنسيسكان.
مغارة الأطفال الأبرياء - عندما نقف في الجزء السفلي من مغارة القديس يوسف نجد إلى اليسار مغارة أخرى فيها هيكل مكرس للقديسين الأبرياء أطفال بيت لحم الذين ذبحهم هيرودس. في جوانب المغارة نجد بضعة قبور هي قبور الأتقياء الذين رغبوا بأن تدفن أجسادهم في هذا المكان المقدس منذ القرون الأولى للمسيحية. إذا تابعنا السّير إلى اليسار نجد بعد مغارة الأطفال هوة مغلقة بقضبان يبلغ عمقها خمسة أمتار وهي قبر الأطفال الأبرياء بحسب التقليد.
على يمين الناظر إلى هيكل القديس يوسف هناك ممر يؤدي إلى عدة كهوف أخرى محفورة في الصخر.
في الممر الضيق المؤدي إلى المغارة الثالثة نجد قبر أوسبيوس الكرموني، خليفة القديس هيرونيموس. ومن ثم نبلغ إلى قبر محفور في الصخر، وهو قبر پاولا وابنتها أوستيكيو. وفي الواجهة قبر القديس هيرونيموس. يشهد القديس هيرونيموس ذاته لهذا الواقع ففي حياته حفر لنفسه قبرا قرب تلميذتيه. وقد تم نقل رفاتهم ولم يتبق سوى المقام. ومنذ القرن الثالث باتت رفات القديس تكرم في كنيسة القديسة مريم العظمى في روما.
مغارة القديس هيرونيموس - يعتقد أن القديس عاش هنا وعمل في هذا المكان.
وصل القديس هيرونيموس إلى بيت لحم عام ٣٨٦ وكان عمره ٤٦ عاما. وعاش في بيت لحم ثلاثين عاما مكرسا حياته للتأمل.

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق