اغلاق

‘ في ظلال الكورونا ‘ ، بقلم : د. محمد حبيب الله

ما هكذا كنا قبل ايام الكورونا فقد علمتنا الكورونا ان نتذوّق طعم البيت والبقاء فيه. كنا قبل ذلك متعودين على هجر البيت لدرجة نقضي فيها معظم ساعات اليوم خارجه.


صورة للتوضيح فقط - تصوير: shironosov iStock

فلا نبقى فيه الا من اجل قضاء ساعات النوم او اكثر مع العائلة. اما اليوم فَحتم على امثالنا والذين تجاوزوا السبعين عاماً ان يَبقوا في بيوتهم. لقد كنت في بداية الكورونا استثقل دم هذا الوباء واستثقل البقاء في البيت. ولكن المرء بطبعه يتعود على ما فُرض عليه. فكما قال المتنبي "لكل مرئٍ من دهره ما تعوّدا" لقد صرنا اليوم وبعد مرور اشهر على مصاحبة الكورونا اللعينة نألف البيت ونستمتع بكل ما يجعلنا ان نبقى فيه.
صرنا نجلس بهدوءٍ مع افراد العائلة, الامر الذي كنا نفتقده دائماً. صارت هناك أًلفة قويّة كنا نفتقدها بين الاهل. صار لدى الاب و الام و الاحفاد و الاولاد فرصة للتقرّب من بعضهم البعض . وهذا بحدّ ذاته قيمة اجتماعية نحن بحاجة لها كنا نفتقدها. لقد سُمي المجتمع البشري مجتمعاً سواءً كان كبيراً ام صغيراً لأن الاصل فيه العيس مجتمعين سويةً. صرنا نكتشف في داخلنا اشياءَ لم نكن نعيها, وصرنا نجد فينا صفات جميلة لم نكن على دراية بها. كم كنا بحاجة الى مثل هذه الأمور. الكورونا علمتنا كيف نلتئم مع بعضنا وكيف نفكر في كيفية استثمار الوقت للأحسن. هذا الأحسن الذي كنا نقوم به خارج البيت. فكان استثمار اوقاتنا من الاولويات الاولى في حياتنا. ان استثمار الوقت خارج البيت يمكن ان يأتي لنا بالضرر والسوء. فالأولاد خارج البيت معرضون احيانا لما يجري في المحيط الخارجي الذي اصبح يغلب عليه العنف في حياتنا, ومنه يمكن ان يأتي الضرر الى الشباب والصغار سواءً.
في عهد الكورونا تعلمنا كيف نستذكر و نقدر كل جميلٍ كنا نمر به, فنشتاق له ونوَدٌ الرجوع اليه بلهفةٌ, و ذلك دفعاً للملل الذي يحدث لنا اليوم بسبب البقاء في البيت وفي وضعٍ ملزمٍ لكل منا.
صحيح ان ايام الكورونا تَمرّ على وتيرة واحدة دون تغيير, وانها مدعاةٌ للهواجس التي قد تُخيم علينا ومدعاةَ للخوف من المجهول. وهذا بحد ذاته هو الخطر بعينه. فمن الخطر الذي يمكن ان يحدث ان ينغمس الانسان في التفكير بلا شيء او التفكير بأشياء وهمية. أن التفكير بلا شيء كما قال حكيم الصين كونفوشيوس قد يجلب للانسان الهلوسة او الجنون احيانًا. لذا علينا ان نتعلم ان نفكر بأشياء واقعية نافعة, وان نعمل كل ما هو نافع ومفيد, وان نستثمر وقتنا بأشياء تجلب لنا الأفادة و المتعة والغبطة و السرور.
كم كنت افتقد بالماضي الجلوس مع الاحفاد واللعب معهم وأكتشاف الصفات الجميلة فيهم. كم كان الصغار بحاجة لنا وكنا لانجد الوقت للجلوس معهم. كم كنت في الماضي افتش عن الوقت الذي يُمكّنني من التفرغ للقراءة و المطالعةِ. ونحن بهذا ندفع عنا التهمة بأننا "شعبٌ لا يقرأ" ونطبق ما يقال عنا "امّة اقرأ لا تقرأ", مع  أن القراءة هي رُكنٌ من اركان حياتنا وقد شدد القراّن عليها حيث كانت كلمة "أقرأ" هي اول كلمة نزلت في القراّن "أقرأ بأسم ربك الذي خلق". وتوجب هذه الأية علينا ان نواجه التهمة التي يوجهها العالم بأسره لنا بأننا "شعب لا يقرأ" ويجب ان ندحض هذا القول. وأننا يجب ان نقرأ ونقرأ ونفكر في ما حولنا من اشياءَ وناسٍ ومجتمع.  فالقراءة خير مؤنسِ للأنسان. وكما قال الشاعر الكبير المتنبي "وخير جليس في الزمانِ كتابُ". في زمن الكورونا ومن اجل استثمار الوقت في شيء نافع ومفيد صرت في ظلال الكورونا اقضي وقتا طويلا بالقراءة والمطالعة الى جانب كتابة مقالات كثيرة ونشرها في الصحف. لقد بدأت اقرأ روايات طويلة مثل: ذاكرة الجسد للكاتبة الجزائرية "احلام مستغانمي" وكتاب "بين اصدقاء" "لعاموس عوز" وكتاب "الفيل الازرق" "لأحمد مراد" وغيرها. لم اكن قبل ذلك اقرأ الرواية الطويلة واصبحت اليوم وفي ظلال الكورونا فلا اترك الرواية قبل الاجهاز عليها في ثلاثة او اربعة ايام. صرت اعتز اليوم بأنني قارئ وصرت احس بمتعة القراءة في عصرٍ تطغى فيه الشاشات علينا. لقد اصبحت اطبق القول بالفعل, فأنا انسانٌ كما يعرفني الكثيرون وبحكم تخصصي في الدكتوراة في موضوع القراءة اعرف ان الوسيلة المثلى لتطوير التفكير عند الانسان هو القراءة , وان القراءة تجعل خلايا الدماغ عندنا يقظة ونشيطة دائماً وهذا من شأنه وكما أقرّ ذلك الباحثون ان يبعد عن الانسان شبح مرض الاولدزهايمر الذي غالباً ما يصيب الانسان في الكبر.
 لقد صرت استذكر في ظلال الكورونا عادات كنت اقوم بها وكانت بالنسبة لي روتين يومي لا أعي قيمته. تعود بي الذكريات في ظلال الكورونا الى أيام مضت و الى عادة ممارسة رياضة المشي كل صباح في جبل سرطبا/الحمرا (موقع تشرتشل) الى الشرق من الناصرة وذلك مع زمرةٍ من الاصدقاء. لقد تحول مشهد بزوغ الشمس صباحاً وهي تُطلُّ علينا وترتفع تدريجياً فوق الأفق الى عادةٍ يومية جميلة. كنا نقف اثناء المشي ونراقب خاشعين طلوع الشمس- هذا المنظر الساحر الرائع. لا زلت اذكر انني رأيت في احد الايام صبياً وصبية في مقتبل العمر يقفان قبالة بعضهما ويمسكان بالأيدي . لقد اعجبني هذا المنظر الذي رأيت فيه براءة الشباب. وقف هذان الشابان هناك وكأنهما ينتظران حدثاً معينا. وبعد قليل عرفت انهما كانا ينتظران بزوغ الشمس فعندما بزغت اقتربا من بعضهما وتبادلا قبلة بريئة ثم افلتا ايديهما وابتعدا كلٌّ عن الاّخر ومضيا في رياضة المشي التي كانا يمارسانها. رأيت عندها كيف يمكن ان يُستقبل الصباح وبروح تفاءلٍ وكيف يمكن ان يحول هذا الوقت الصباحي الى لحظةٍ جميلة نبدأ بها يومنا. ما اجمل و ما اروع ذلك.
تعود بي الذكريات في ظلال الكورونا الى ما كان يحدث معنا نحن فريق المشي. اذكر ما حدث لنا اّخر مرة قبل مهاجمة الكورونا لنا وأجبارنا قسرًا على التوقف عن ممارسة هذه الرياضة الصحية هناك. كنا كعادتنا نجلس بعد المشي بعضاً من الوقت ونتبادل اطراف حديث لا يخلو من بعض النكات الجميلة والحكايات الصغيرة. كم اشتاق اليوم لتلك الجلسات ولتلك اللحظات. لا زلت اذكر كيف كانت تُطلب مني شلّة الاصدقاء ان اقرأ لهم اشعاراً جميلة كنت احتفظ بها دائماً في مغلفٍ خاص. فأقرأ لهم ما لذ وطاب منها. كان رفاقي في المشي يتداولون احياناً ما كنت انشره في الصحف. وفي اخر مرة التقينا بها في يوم "السبت" وكنت قد نشرت يوم الجمعة قبله مقالًا تحت عنوان "عارنا في اسرائيل", ونشرت قبل ذلك بأسبوع مقالاً اخر تحت عنوان "عارنا في فلسطين". وقد تناولت في المقال الاول ما تقوم به اسرائيل الدولةً المحتلةً من اعمالٍ مشينة وتعامل سيئ مع اهلنا في فلسطين وفي المقال الثاني كتبت عن التعامل مع الاقلية العربية في الدولة وسياسات التمييز العنصري ضدها. وأكدت في المقالين ان ما تقوم به هذه الدولة يجلب العار لليهود. وقد تمنيت في كل من المقالين على كاتب يهودي متنور ان يضع كتابَا منفردا تحت كل عنوان من العنوانين اعلاه اسوةً بما فعل الكاتب الفرنسي جان بول سارتر عندما كتب كتابه الشهير" عارنا في الجزائر". وكان ذلك بعد ان خرجت فرنسا من الجزائر بعد احتلالٍ لها دام 139 سنة. وعودة الى جلستنا الاخيرة قبل الكورونا فقد بادر احد الاصدقاء السيد ايليا ماهلي(ابو يوسف) بالقول: اتمنى عليك يا ابا رامي ان تكتب مقالاً اّخر نحن بحاجة اليه تحت عنوان "عارنا منّا وفينا" أي بكلمات اخرى "عيبنا منا وفينا" فلم اخيب امل (ابو يوسف) في ظل الكورونا فكتبت وانا قابعٌ في البيت مقالين بدل مقال واحد, واحد عن العيب اللاحق فينا- الاقلية العربية في اسرائيل والثاني العيب اللاحق عن الفلسطينيين في الضفة و القطاع. وهما مقالان من باب النقد الذاتي لما نقوم به من اعمال "عيب" واعمال تجلب لنا العار. وهما في طريقهما للنشر في الصحافة.
هكذا كان يشرد ذهني في هذه الايام وفي ظلال الكورونا و اقع تحت تأثير أشياء تمر بي وتمر امامي كشريطِ سينمائي. وكما قال الكاتب الفلسطيني الذي يعيش في كندا د.سميح مسعود في مقال له نشر في الاتحاد فأنا اليوم اقول كما قال:" اشعر بالضعف تارةً وفي القوةِ تارةً اخرى, يزداد ضعفي عندما  استرق السمع الى نشرات الاخبار التي يرددها التلفاز وازداد قوةَ عندما اسمع صدى اصوات اصدقائي املاً ان القاهم". وعندها تتفتح اساريري بأنتظار اللحظة التي ستعيدني ثانية الى جبل سرطبة/الحمرا لكي اردد امام الجالسين من رفاقي ما قاله ناظم حكمت الشاعر التركي في احدى قصائده:
لا تكن ابداً مغلولاً
تقدّم, تقدّم, تعدّ الجبل, واجتز البحر
لا تلتفت ابداً الى الوراء .

 

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق