اغلاق

‘ علمانية أردوغان ‘ ، بقلم: حازم القواسمي

حين قام مصطفى كمال أتاتورك بعد انقلابه على الخلافة الاسلامية عام 1924 بعلمنة تركيا وفصل الدين عن الدولة وإزال سطر "دين الدولة هو الإسلام" من دستور البلاد،


صورة للتوضيح فقط - تصوير cherrybeans-iStock    

لم يكن يحلم في وقتها أنه وحتى بعد مائة عام سيأتي قائد لحزب إسلامي مثل أردوغان يدافع عن علمانية تركيا ويروج لها خارجها.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يحظى بشعبية كبيرة بين معظم المسلمين في جميع أنحاء العالم يطالب العالم الإسلامي بتطبيق العلمانية بشكل علني لا لبس فيه، بل ويروّج لها ويدعو جميع المسلمين إلى فهم معنى العلمانية بالشكل الصحيح. وقد تحدث أردوغان عن ضرورة علمانية الدولة في كثير من لقاءاته التلفزيونية وأنه لا يمكن له التنازل عن علمانية الدولة. يقول أردوغان "أن الدولة العلمانية وظيفتها أن تبقى على مسافة متساوية مع كل الأديان، وتتسامح مع كافة المعتقدات وتضمن حرية المعتقدات كافة وحتى الإلحاد". ويؤكد أردوغان أن "العلمانية ليست مخالفة للإسلام لأن العلمانية ليس ضد الدين ولأن العلمانية لا تعني عدم التدين". وقد صدم أردوغان قيادات الإخوان المسلمين في مصر، حين قام بزيارة مرسي بعد انتخابه رئيساً لمصر في أيلول 2011، ونصحهم بشكل علني في تبني العلمانية وتطبيقها في حكم مصر. كان ذلك في اللقاء المفتوح في مبنى الأوبرا في القاهرة الذي حضره حوالي ستة آلاف شخص. إلا أنّ محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمون بعدها قال لأردوغان (حسب رواية أردوغان): "إن كانت هذه هي العلمانية فأنا معها".

رجب طيب أردوغان ولد في إسطنبول في فبراير 1954 في حي قاسم باشا الشعبي، وأبوه الذي جاء من ريزا عمل قبطانا لقارب في إسطنبول. درس أردوغان في مدرسة ابتدائية متواضعة وكان محبوباً من أولاد حارته وجيرانه. ويبدو أن تواضعه وقوة شخصيته في ذات الوقت جعل حب الناس بصمة رافقته طيلة حياته. بدأ حياته السياسية في عمر العشرين بعد أن تخرج من ثانوية الأئمة والخطباء، مشبعاً بالأفكار الإسلامية المحافظة. ولم يصل أردوغان إلى هذا المستوى من البراغماتية إلا بعد خوض غمار معارك عديدة من المناهج الفكرية المتغيرة: من التشدد والانغلاق، إلى التسامح والانفتاح على العالم بأكمله. وشغل في شبابه رئيساً للأذرع الشبابية للحزب الذي كان ينتمي إليه. وأصبح بعدها في عام 1985 رئيساً لمحافظة إسطنبول في حزبه. وفي عام 1989 ترشح لأول مرة لانتخابات بلدية بيا-أوغلو في إسطنبول إلا أنه خسر. ثم عاود التجربة مرة أخرى في انتخابات بلدية مدينة إسطنبول عام 1994 وهذه المرة نجح فيها بشكل لافت، ومكث في رئاسة البلدية حتى عام 1998 حيث قام بإنجازات غير مسبوقة يشهد له العالم بذلك. ومع أن فكر أردوغان، كما يقول هو، كان يتطور مع كل مرحلة من مراحل حياته، إلا أنه في هذه المرحلة كان ما زال متأثراً بالفكر الإسلامي المتشدد. فقد ألقى أبيات من الشعر وهو في منصبه رئيساً لبلدية إسطنبول، أودت به للسجن أربعة سنوات. حيث قال: " مآذننا حرابنا وقبابنا خوذاتنا ومساجد معسكراتنا والمؤمنون جنودنا". وقد انتمى أردوغان لعدة أحزاب في حياته، وبعضها أغلقته الدولة بسبب تشدده الديني، مثل حزب الرفاه الذي حتى بعد أن وصل للسلطة وأصبح زعيمه الإسلامي نجم الدين أربكان رئيساً للوزراء في تركيا عام 1993، قام الجيش بعد فترة وجيزة بسجنه مع أردوغان بتهمة التحضير لتطبيق الشريعة الإسلامية.

لكن أردوغان كان يتغير في كل مرحلة ويقل تشدده وتزدادا برغماتيته. ولذلك جاء الوقت الذي انفصل فيه أردوغان عن أستاذه المتشدد نجم الدين أربكان بعد ثلاثين عاما من التصاقه به كأحد تلاميذه المجتهدين. مما أدى إلى اتهام نجم الدين أربكان لأردوغان بالعمالة لأمريكا وإسرائيل في مشروعهم الشرق الأوسط الكبير. لقد تعلّم أردوغان كيف أن التشدد الفكري لا يصلح في السياسة ولا يدوم. وبعد كل هذه الصولات والجولات، وبعد كل ما مر به أردوغان من تحولات وتجارب في الحياة وفي السجون، قرر في أغسطس 2001 تأسيس حزب جديد اسماه حزب العدالة والتنمية ومقره مدينة أنقرة، بفكر إسلامي جديد يقوم على الديمقراطية العلمانية بوضوح صارخ. وأبعد نفسه عن المتشددين الإسلاميين بدون أدنى مجاملة، واقترب أكثر من عامة الناس في خطاباته السياسية المعتدلة ولامس أمور حياتهم المعيشية. يقول أردوغان: "قبل كل شيء أنا شخص مسلم، وهناك تحديث دائم طوال الحياة، كلما قرأت وجربت، تتغير كثير من الأمور. لا أبقى في المكان نفسه وإلا سأخسر. يجب تطوير أنفسنا، ونحن قمنا بتطوير نظرتنا للحياة، وأسسنا حزب العدالة والتنمية لهذا السبب. وأرينا العالم كيف يمارس المسلم السياسة عن طريق الديمقراطية العلمانية". ويقول "إن القرآن والسنة هي خارطة طريقنا كمسلمين، ولكن لا نتشدد".

وبسبب انفتاح فكره وسياساته على العالم، شغل أردوغان منصب رئيس الوزراء في تركيا منذ عام 2003 وحتى عام 2014، حيث انتخب حينها مباشرة من الشعب كرئيس لتركيا حتى يومنا هذا. وبينما يعتبر الأتراك مصطفى كمال أتاتورك مؤسساً للجمهورية الأولى في تركيا، ينظر الكثير منهم هذه الأيام إلى أردوغان كمؤسس للجمهورية الثانية. لقد شهدت تركيا العديد من الانقلابات العسكرية والتخبطات السياسية التي أثرت على استقرار الدولة ونموها مقارنة مع مثيلاتها من الدول في أوروبا. لذلك، يحلم أردوغان في إرساء الأمن والاستقرار في تركيا بشكل مستدام والانتهاء من فكرة الانقلابات العسكرية والفوضى الأمنية، حتى تنطلق تركيا إلى عصر جديد من التنمية على نسق الدول المتقدمة. ولذلك، حرص أردوغان على إرساء أسس الديمقراطية العلمانية بشكل متين، وأيده في ذلك كل فئات شعبه، حتى أن أحزاب المعارضة كانت أول من وقف معه حين حاول بعض ضباط الجيش الانقلاب على حكمه في تموز 2016، بل نزل شعبه بكل فئاته إلى الشوارع للحفاظ على النظام الديمقراطي العلماني ولمنع عودة الجيش إلى الحكم الدكتاتوري.

لا شك بأن أردوغان شخصية إسلامية محافظة، ليس فقط بحكم نشأته وبيئته التي تطور فيها والأحزاب الإسلامية التي انتمى إليها، بل أيضا بسبب حزبه الذي يقوده اليوم ذو التوجهات الإسلامية. ولا شك أنه نجح في تعزيز الديمقراطية العلمانية، وأعاد الجيش إلى ثكناته بعيداً عن السياسة، ونجح بتشجيع السياسات الاقتصادية الليبرالية وفتح بلاده على المستثمرين من شتى بقاع العالم، كما أطلق الحريات جميعها بما فيها حرية الاعتقاد وحرية الرأي والتعبير. وتجد البارات ومحلات بيع الكحول في إسطنبول وكل المدن التركية كما تجد المساجد والكنائس. كل هذا غير خافي عن العيان ولا يختلف عليه اثنان. أما أن يأتينا من المتشددين الإسلاميين ويقولوا لنا أن ظاهر أردوغان غير باطنه، وأنه يصرح بأنه مع العلمانية ولكنه في الحقيقة ضد العلمانية وضد الديمقراطية، فهذا استخفاف بالعقول وجهل بعقلية أردوغان وفكره الذي وصل إليه. فالمتشددون الإسلاميون غير مستوعبين ولا يريدون أن يستوعبوا التحولات الفكرية التي مرّ بها أردوغان، والتي كانت من الممكن أن تكلفه حياته كلها داخل السجن أو القتل على يد الإنقلابيين. لذلك نقول لكل من يسعى للوصول إلى الحكم في بلداننا العربية، من إسلاميين وغيرهم، أن يتعلم من تجربة أردوغان الفريدة والناجحة في قيادة دولة ديمقراطية علمانية ليبرالية، وأنه بدون الديمقراطية وبدون العلمانية وبدون الحريات لا يمكن أن يدوم حكم مهما كانت جبروته لأن العالم أصبح قرية صغيرة والشعوب تريد أن تعيش بحرية وكرامة.

وفي النهاية، نقول للمتشددين الذي يحلمون باسترجاع أردوغان لحظيرتهم، أنه إذا قرر أردوغان أن يتخلى عن علمانية الدولة وديمقراطيتها واقتصادها الليبرالي، واشتاق إلى طريقة معلمه المتشدد نجم الدين أربكان في الحكم الدكتاتوري تحت مسميات دينية، وخاصة بعد أن تعاظمت سلطات أردوغان الرئاسية، فأنه يكون قد مسح كل إنجازاته ويكون قد حكم على نفسه بنهاية حزينة سوف لن تبقيه على حكمه يوماً واحدا، لأن الأتراك ذاقوا طعم الحرية وتنعموا بها ولن يقبلوا بغيرها.


 

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق