اغلاق

‘ تاريخ الدول الدكتاتوري ‘ ، بقلم: حازم القواسمي

لن تستغربوا إذا قلت لكم أنّ أغلب أنظمة الحكم في التاريخ هي أنظمة دكتاتورية مستبدة، تقوم على الحاكم الدكتاتوري المتسلط الذي يحكم شعبه بقوة العنف والسلاح.

 

 


الصورة للتوضيح فقط - تصوير simpson33 iStock

وكانت الدولة الضعيفة تحاول دوما الدفاع عن نفسها، بينما تحاول الدولة القوية التوسع واحتلال الدول والشعوب المجاورة. هكذا كان المعهود، وهذا ما جرى بالفعل. عنف وقتل وجبروت واحتلال وملوك وامبراطوريات وجيوش وذبح ونهب وسلب واستعباد. وكانت تصعد امبراطورية وتخبو أخرى، وكله على حساب دماء الأبرياء ومعاناة عامة الناس. وكل دولة أو امبراطورية تسوق الحجج والتبريرات حتى تقتل وتحتل دول أخرى، فمرة بذريعة نشر الدين، ومرة لنشر الحق، وحديثا لنشر الديمقراطية.

لم يكن هناك حقوق إنسان ولا ديمقراطية وانتخابات وحقوق سياسية، ولا مواطنة وحقوق مدنية، ولا حقوق للمرأة ولا حقوق للطفل ولا لذوي الاحتياجات الخاصة. فقط قانون الغاب هو الذي يحكم، حيث القوي يأكل الضعيف، والظلم يستشري في كل مكان. والأسوأ استخدام الديانات لتثبيت الحكام في تبرير استعباد البشر ونهبهم وسلبهم وقتلهم. فعندما كان الحاكم يريد فعل شيء ما، كل ما كان عليه أن يقوله هو أن الآلهة طلبت منه فعل ذلك الشيء. وبعدها سمعا وطاعة من الشعب بدون معارضة أو مقاومة حتى لو أخذ كل مدخرات الشعب الغلبان أو ذبح الملايين. والأنظمة كانت سلطوية قمعية لا تأبى لحقوق الشعب ولا لتطلعاته، فلم يكن هناك من يدافع عن الشعوب وكانت الدول تحكم بإرادة الرجل الواحد، سواء كان ملكاً أو رئيسا، وعادة ما كانت تحكم معه عائلته أو أولاده. وإذا أردنا أن نحصي أسماء الحكام الدكتاتوريين أو المستبدين، فالقائمة تطول على حسب الفترات وعلى حسب القارات. ويشترك الحكام المستبدين بصفات كثيرة مشتركة، أهمها الإجرام وقمع المعارضين وقمع الحريات، من خلال زرع موالين لهم وعملاء بين صفوف الشعب والسيطرة على الإعلام. فالدكتاتوريون هم قادة سياسيون، لكن معظمهم يتزعم أيضاً أعلى سلطة عسكرية أمنية في الدول حتى يضمنوا استقرار الحكم وعدم حدوث انقلابات عسكرية عليهم وعلى عائلتهم الحاكمة. فالحاكم الدكتاتور هدفه الأول والأخير هو البقاء في السلطة حتى الممات، بغض النظر عن رغبة الشعب أو رضاه عنه وعن أفعاله وحكمه. 

وربما كان في التاريخ بعض الاستثناءات القليلة حيث ظهر حاكم عادل هنا أو هناك، أو ظهرت بعض المؤشرات على سلوكيات ايجابية نسبية مثل تحديد دور الحاكم، أو وجود مجلس استشاري حتى لو كان شكليا في بعض الحقب التاريخية أو عند بعض الشعوب. ففي الدولة الرومانية، كان مجلس الشيوخ يضع بعض التقييدات على الحاكم الدكتاتور. كما كان هناك بعض الإيجابيات في بداية عهد الخلافة الإسلامية، إلا أنها جميع تلك الطفرات كانت أحداث منفصلة ونادرة في تاريخ الحكم البشري على مدار التاريخ. يقول المفكر الإسلامي د. جاسم سلطان في كتابه "أزمة التنظيمات الإسلامية": "إدارة الدولة بدا واعدا مع الخلافة الراشدة، في عصري أبي بكر وعمر، ولكنه تعرض لانتكاسات صعبة في عهد الخليفتين عثمان وعلي ثم انكسر مع العصر الأموي وتحوّل إلى نظام ملكي تقليدي". وجميعنا يعلم ما حدث بعد العهد الأموي حتى سقوط الدولة العثمانية.

وتنتهي فترة حكم الدكتاتور عندما يموت فجأة أو أن يمرض أو يضعف ويصبح غير قادراً على الحكم. وقد لاقى معظم الدكتاتوريات في التاريخ البشري نهاية درامية وخيمة سواء بالاغتيال أو الانقلاب العسكري أو الانتحار أو غيرها من الطرق التي تخلص بها الشعب منه، أو الزج في السجن بقية حياته. والمصيبة أننا كبشر لم نتعلم حتى بعد آلاف السنين من وحشية الحكام والدكتاتوريات والبطش والقمع وفساد الطغمة الحاكمة واستخدام الدين من قبل رجال الدين. فما زالت الدكتاتوريات تسرح وتمرح في عالمنا العربي بدون حسيب أو رقيب. ولم نتعلم من الشعوب الأوروبية التي دفعت ملايين الضحايا من ابناءها من أجل تأسيس الدولة الديمقراطية العلمانية التي تقوم على الحريات، دولة المواطنة أو الدولة المدنية، دولة المؤسسات أو دولة سيادة القانون. وليس دولة دكتاتورية قمعية يحكمها رجل واحد، أو دولة دينية استبدادية يحكمها رجال الدين. وبعد كل هذا وذاك، تأتيك التنظيمات الإسلامية أمثال داعش والحركات الوهابية وغيرها لتطالب بكل ثقة بعودة حكم الخلافة بذريعة أنها مطلب ديني وأنها أمر من الله يجب طاعته وفرض يجب العمل على تنفيذه ولو بحد السيف.  

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
‎يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
 bassam@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق