اغلاق

مقال: عالم الفوضى ما بعد وباء كورنا والسيناريوهات المحتملة

يقول تقرير الأمم المتحدة الصادر نهاية مارس الماضى، بعنوان «المسئولية المشتركة التضامن العالمى لمواجهة الآثار الاجتماعية والاقتصادية لـCOVIDــ 19»،


صورة من الدكتور عذاب العزيز الهاشمي
 
أن حائجة كورونا سيكون لها آثار هائلة وطويلة المدى على الاقتصاد العالمى واقتصاد الدول على السواء. وقد انتهى صندوق النقد الدولى للتو من إعادة تقييمه للنمو المتوقع لعامى 2020 و2021، ليقول بأن العالم قد دخل مرحلة كساد أسوء من تلك التى شهدها العالم عام 2009.
ويوضح تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، بتاريخ 16 مارس 2020، بعنوان «هكذا سوف يدمر كورونا الاقتصاد»، أن فيروس كورونا يهدد بإحداث مضاعفات حادة فى اقتصاد عالمى مريض ومثقل بالديون.

ومع احتمال استمرار ضعف، أو توقف، التدفقات النقدية للشركات والدول، نتيجة لجائحة كورونا، ستصبح العديد من هذه الشركات والدول عاجزة عن سداد أقساط الفائدة، فضلا عن التداعيات الخطيرة المصاحبة؛ كانخفاض الإنتاج وارتفاع معدلات البطالة والركود الاقتصادى. وهو ما بدأت ملامحه فى الظهور بانخفاض أسعار النفط إلى مستوى متدن للغاية يهدد شركات النفط التى تسعى لسداد ديونها؛ ويهدد الدول المصدرة للبترول التى تعتمد على عوائده فى شراء احتياجاتها.
ويؤكد التقرير أنه كلما طالت مدة جائحة كورونا، كلما زاد احتمال حدوث أزمة مالية أخطر بكثير من تلك التى شهدها العالم عام 2008.
وفى ضوء هذا الوباء النادر الذى لم يستطع العلم بعد أن يفهمه بصورة كاملة، ناهيك عن إيجاد علاج له، فإن تبعات هذه الجائحة ستستمر لفترة طويلة. هذا الغموض حول مدة تأثير هذه الجائحة يضيف عبأً اقتصاديا آخر، يمثل فى تخوف الشركات والدول من ضخ استثمارات ضخمة فى مستقبل غير واضح.

وفى تقرير للإندبندنت العربية بتاريخ 25 مارس 2020، ترى الصحيفة بأن كورونا يدفع بشركات ضخمة نحو الإفلاس نتيجة لانخفاض الارباح وتزايد الديون. ويتوقع التقرير أنه مع تفاقم الأزمات المصاحبة لانتشار فيروس كورونا المستجد، تحوّلت الأزمة من مجرد كساد وركود عنيف إلى أزمة أكبر تتمثل فى انهيار شركات ضخمة وإعلان إفلاسها.
كما تشير العديد من التقارير إلى أن أزمة كورونا لم تثبت فشل العولمة فحسب، بل أثبتت مدى هشاشتها وزيف الكثير من الحجج التى سيقت لتبريرها. فمع بداية الوباء، سارعت جميع الدول التى روجت للعولمة، واستفادت منها اقتصاديا واستراتيجيا، إلى الانغلاق إلى الداخل والحد من السفر وإغلاق حدودها، وتخزين الإمدادات الطبية. وترى صحيفة «Foreign Affairs» الأمريكية بأن «كورونا يقتل العولمة التى نعرفها» وأن هذا الوباء يعتبر هدية للقوميين؛ وتتوقع أن يكون له آثار طويلة المدى على حرية الحركة للأفراد والبضائع.
من ناحية ثانية، ترى بعض التقارير المهمة أنه بينما كانت العولمة تخدم أنظمة رأسمالية دولية على حساب الفقراء فى العالم الثالث، فإن كورونا قد تخطى تلك الفوارق الطبقية وأوجد ما يمكن تسميته بـ«اشتراكية المرض»؛ بحيث أصبح الفقير والغنى معرضين بنفس الدرجة لهذا الوباء الذى أصبح عابرا للطبقات الاجتماعية بكل درجاتها وتصنيفاتها (بى بى سى، 28 مارس 2020). هذا الوضع قد جعل الجميع متسايين، من حيث العجز، أمام مواجهة هذا الوباء.

كورونا وعالم الفوضى
فى ضوء هذه التغيرات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى والمتسارعة التى أحدثها وباء كورونا تتشكل عالميا ظاهرتان مهمتان لهما أثر كبير على العالم النامى، وهما: تصاعد صراع القوى الكبرى على قيادة العالم، وانشغال تلك القوى بنفسها وانغلاقها، إلى حد كبير، نحو الداخل.
تشير العديد من التقارير إلى أن صراع القوى الكبرى قد ازدادت حدته بعد هذا الوباء؛ نظرا للتفاوت الكبير فى حجم الضرر المتوقع أن يلحق بهذه القوى، وفى مدى قدرة المجتمعات على تحمل تبعات هذه الأضرار، نظرا للتفاوت الكبير فى طبيعة نظمها السياسية والاقتصادية. وترى تلك التقارير بأن من يخرج أولا من محنة كورونا سيتمكن من تحقيق نقاط هائلة وهو ما ستتبدل معه الكثير من التحالفات وظهور تكتلات اقتصادية وسياسية جديدة.
ويكفى هنا أن نشير إلى ما قامت بهد العديد من هذه القوى من سحب قواتها من الخارج. وعليه، فمن المتوقع أن تتقلص الأطماع الاستعمارية للقوى الكبرى لصعوبة تحقيقها. كما أنها قد صارت أكثر حاجة إلى التعاون لتحقيق نمو اقتصادى أفضل.
كما أن الخيار العسكرى فى حل نزاعاتها، أو تحقيق أطماعها، قد صار أبعد مما كان عليه فى أى وقت مضى.
وبهذا فإن الفجوة التنموية بين العالمين، المتقدم والنامى، قد بدأت فى التناقص نتيجة لانخفاض انتشار كورونا وانخفاض كلفته الاقتصادية فى العالم النامى مقارنة بالعالم المتقدم.
هذه المتغيرات توفر فرصة نادرة لصياغة نظام عالمى جديد أكثر عدلا؛ إذا إن التفاوض فى هذه الحالة لن يكون بين منتصر ومهزوم، كما كانت الحال عند صياغة النظام العالمى الحالى بل سيكون بين مهزوم ومهزوم جدا.
هذا الوضع يوفر فرصة نادرة للعالم النامى للضغط لصياغة نظام دولى أكثر عدلا من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية.
 
 سيناريوهات محتملة قادمة
1-    أن حالة الانكماش العميقة والطويلة التي ستطبع الاقتصاد العالمي قد تتجه نحو سيناريو أول ينبني على مزيد من التعاون والتكافل بين كل الأطراف عن طريق المنظمات الدولية، باعتماد سياسات عالمية ناجعة في مجال الصحة والطاقة والتغذية ومحاربة الفقر.
2-    ىاحتدام المنافسة
وفي ظل أجواء الشك والريبة التي انتابت العالم جراء أزمة كورونا، نرى أن السيناريو الثاني المحتمل يتمثل في احتدام المنافسة بين كل الأطراف الدولية، حيث ستسعى الولايات المتحدة لتعزيز قوتها وهو ما سيعيد العالم إلى منطق المنافسة والروح الفردية التي سادت في الساحة الدولية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وهي الحقبة التي شهدت إحدى لحظات الانهيار الاقتصاد العالمي.
3-    التعاون والتنافس بين القطبين
أما السيناريو الثالث فالمتوقع، ، أن يكون مزيجا من التعاون والتنافس في الكثير من مجالات السياسة العالمية.
 إن هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحا ومعقولية حيث سيكون العالم قريبا من الأجواء التي سادت في الساحة الدولية بعد عام 1947 في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
وفي تحليلنا للسيناريوهات الجيوسياسية المحتملة لما بعد أزمة كورونا، نتساءل  عن احتمال استفادة الولايات المتحدة والصين من تداعيات هذه الأزمة، الامر الذي  من شأنة في هذه الظرفية أن تسرّع عملية إعادة هيكلة النظام الرأسمالي المعولم وتحقيق التوازن بين الشرق والغرب.
ضمن مقارنات بين الصين والولايات المتحدة، ونوكد أن الأزمة الحالية أنهكت اقتصاد البلدين و إن وضعهما في موازين القوى العالمية حاليا ليس أحسن مما مضى.
ونوضح هنا  أن اقتصاد الصين أكثر عولمة من الاقتصاد الأميركي وله نقاط قوة كثيرة بينها القدرات الكبيرة على التدخل الاقتصادي في الكثير من مناطق العالم، لكنه لا يخلو من نقاط ضعف بينها الاعتماد المتزايد عبر العقود الأخيرة على مصادر خارجية فيما يتعلق بالطاقة والمواد الزراعية، وهو ما يجعل الأمن الغذائي تحديا كبيرا بالنسبة للصين.
موقع الدول العربية  من عالم الفوضى
من الواضح أن كورونا ستثير ما هو صامت من الصراعات وتحرك أكثر ما هو قائم منها، وهذا يعني أن دول المنطقة ستعاني بدرجات متفاوتة من مخلفات أزمة كورونا؛ وإن كان بعضها معرضا لمخاطر وهزات أكثر من غيره بحكم ضعف الموارد والإمكانيات.
أما الدول الأكثر ثقلا في المنطقة فليست بأحسن حال، بحكم أن أغلبها منهك بصراعاته الداخلية وحروبه في الجوار القريب والبعيد.

الوضع العربي القادم سيكون من أهم سماته تراجع التأثيرات الخارجية بسبب انشغال الغرب بأزماته الداخلية وأولوية المعركة مع الصين، كل ذلك سيمنح تأثيرا أكبر للعامل المحلي والإقليمي، كما أنه سيعطي فرصة أوسع لأطراف مختلفة وقوى متناقضة. الدول السلطوية ستحاول تعزيز قبضتها الحديدية أكثر بسبب انشغال القوى الكبرى بأوضاعها الداخلية، ثم استغلال صعود النموذج التحكمي الصيني الروسي.
المنطقة  العربية مرشحة لتعمُّق حالة الفراغ أكثر فأكثر بسب تراجع القوى الدولية الضابطة للوضع؛ فالأميركان خفّت قبضتهم، والروس والصينيون أحدثوا اختراقات عسكرية واقتصادية ملموسة، ولكن ليس إلى الحد الذي يمكنهم من مسك الأمور وفرض نظام جديد.
أما قوى التغيير فستتاح أمامها فرص التقدم أكثر في أجواء الفراغ والفوضى التي تمر بها المنطقة، وبسبب تزاحم القوى الدولية والإقليمية، وهو ما يرشحها للعودة مجددا إلى أجواء الربيع العربي وما بعده.
 

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق