اغلاق

مقال- إشكاليات اللغة :هل تقف عائقا امام التطور الاقتصادي؟

لا اتعامل مع اللغة من منظار لغوي بل من منظار فكري وسياسي من رؤيتي ان مسالة اللغة، او التجديد والتقليد في اللغة، وكل ما يتعلق بإنجاز تطوير اللغة العربية


الكاتب سيد ماجد - صورة شخصية

وجعلها لغة معاصرة، يرتبط بشكل نسبي كبير (ولا اريد ان اقول بشكل مطلق، رغم ان هذا أقرب للحقيقة) بالواقع السياسي والاجتماعي والتعليمي والعلمي السائد في المجتمعات العربية.
بكلمات واضحة، اللغة لن تحظى باهتمام اجتماعي، ثقافي وعلمي واسع وحاسم، في ظل واقع لا تشارك فيه المجتمعات العربية بالنهضة الحضارية للمجتمعات البشرية، بل تكاد تبدو مجتمعات على هامش التاريخ!!
***
ان التغيرات اللغوية التي حدثت كانت عكس التيار السائد ومعظم ما دخل لغتنا العربية وأضحى التعامل به ثابتا، مداناً سلفا بالخروج عن القواعد والنحو. رغم ان كثيره أصبح مما يسمى "المتعارف عليه"، لكنه خروجٌ واضحٌ عن عقليات حراس اللغة.
 كذلك لاحظت ان هناك مشكلة لدى الكثيرين، خاصة متوسطي الثقافة، في فهم المقروء النثري وخاصة القصصي، من منطلق الفهم البسيط للأدب القصصي، بانه جولة ترفيهية، بينما هذا الأدب يطرح الوعي الاجتماعي بأرقى صوره.
القصة في الأدب العالمي وبجزء كبير وهام من الأدب العربي، تشكل مادة فكرية أيضا يطرح عبرها الكاتب قضايا ملحّة وبالغة الخطورة، دور الكاتب هنا لا يختلف عن دور المثقف الموضوعي المرتبط بواقع شعبه والناشط من أجل قضايا الانسان وقضايا الحرية والحقوق المختلفة.

باحث لغوي نشر مقالا يقول فيه: "لا بديل عن اللغة العربية الفصيحة المعيارية" عارضا أهمية اللغة العربية لأبنائها العرب، وقيمة هذه اللغة وحيويتها. وطرق تطويرها وتقريبها للقارئ. المقال يتحدث من منطلق عاطفتنا كلنا التي ترى بلغتنا جماليتها المميزة في النصوص الأدبية وخاصة الشعر... لكنها تعاني من حالة تكلُّس تشكل خطورة على مستقبلها ومكانتها بين اللغات الحية في العالم، هذا يبرز بغياب لغة علوم وتكنولوجيا، اذا وجدت فهي داخل قطر معين وغير مستعملة في اقطار عربية اخرى، اي لا اصطلاحات متفق عليها.
من الاشكاليات اللغوية التعويق في ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي المعاصر، وما أوجدته مجامع اللغة غير مفهوم الا لمن صاغوه، لا يلائم الحياة العملية ولا ارى ان اصطلاحات مجامع اللغة مستعملة او قابلة للاستعمال، هذا يبرز في القطيعة الآخذة بالاتساع بين واقعنا اللغوي والثقافي عامة ومستوى الحالة الثقافية– الاجتماعية واللغوية السائدة في المجتمعات غير العربية.

ان بعض المشاكل التي لم تطرح، ربما ليس عجزا عن طرحها بقدر ما هو قصور في فهم واقع اللغة، في حالتنا واقع لغتنا العربية، تشكل عائقا في سبيل رقي لغتنا وتطويرها وملاءمتها لعصرنا.
أعرف انه حقل شائك بسبب المسافة الثقافية التي تفصل بين ابناء هذه اللغة، بظل سيطرة الكثير من الغيبيات والأوهام حول المقدّس اللغوي والفهم الخاطئ لدى الكثيرين لكل دعوة الى ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي السائد في عصرنا، باعتبار هذه الدعوة هي لنسف اللغة العربية، فورا تنطلق صرخات الاحتجاج والاستغاثة محولين النقاش الى صياغات ايمانية ونصوص غيبية ومقولات خاوية من المضمون، لا تسوى أكثر من الحبر الذي صيغت فيه، كأن العرب نصف الأميين، او من لا يرهقون انفسهم بالقراءة، يعرفون مفردات اللغة الكلاسيكية وما شاء الله لا يتحدثون الا بمفردات النصوص الدينية ولغة الجاحظ وبنحو سيبويه.
اللغة بلا شك لها دورها في تكوين الهوية القومية ولكنها ليست من أهم العوامل، لا ارى ان للغة دورا مؤثرا ووزنا مقرَّرا. الواقع العربي القائم يثبت ما أذهب اليه. ان ما يوحد الشعوب العربية أكثر من اللغة، هو واقعها السياسي والاجتماعي، واقع الأنظمة الاستبدادية الفاسدة المعيقة للتقدم وواقع الفقر والإملاق المرتبط جذريا بنوع الأنظمة.

 يجب عدم التجاهل ان نسبة الأمية المرتفعة في العالم العربي، وتقدر على الأقل حسب مصادر عربية ب 60% من المواطنين العرب (من350 مليون نسمة)، والبعض يرفعها لأرقام فلكية... ونسبة كبيرة أخرى بالكاد تفكّ الحرف او تقدر على التعامل مع المؤسسات المختلفة.. الى جانب مستوى قراءة متدن (نصف ساعة، البعض يقول ستة دقائق هي مدة القراءة للمواطن العربي سنويا)، عدم فهم المقروء من أوساط عربية واسعة جدا لأسباب تعليمية تعتمد التلقين، هناك اسباب كثيرة أخرى كلها تجعل من لغتنا أداة لا تخدم قضية تكوين الهوية القومية او إحداث نقلة ثقافية وتيار وعي قومي. لا ننسى أيضا ان العالم العربي مليء باللهجات المحلية التي لا يفهما العرب ابناء المناطق الجغرافية الأخرى. هناك عشرات اللهجات الغريبة عن فهم مواطني الدول العربية، أحيانا في نفس الدولة (حتى في فلسطين لغة الشمال الفلسطيني (الجليل) تختلف عن لغة الجنوب الفلسطيني، ابناء المثلث مثلا، بعض المفردات لا نفهمها ولا نستوعب طريقة لفظها، رغم ان المسافة بيننا ساعة بالسيارة، لا أتحدث عن الجنوب الأبعد، النقب مثلا)، اي ان اللغة لا تشكل اداة تكامل قومي، بل في هذه الحالة تشكل أداة تباعد وتشرذم، خاصة بغياب روابط اجتماعية واقتصادية.

المواطن العربي الجائع للخبز لا يحتاج الى لغة وهوية قومية. في مصر مثلا، ما التقديرات ان 80% من الشعب المصري يعيشون بدخل بين دولار الى 3 دولارات يوميا، و 20% أكثر من 3 دولارات يوميا، منهم 1.5% يعرفون بالقطط السمان يسيطرون على ما يقارب نصف الانتاج القومي المصري. يتبين من معلومات جديدة ان الجيش المصري يعتبر من اكبر المنتجين في مصر، يقدر انتاجه ب 25% من مجمل الانتاج ومعفى تماما من الضرائب.
هل ستصلح اللغة هذا الواقع المأساوي لتجعل المصريين ينتمون لهوية قومية واحدة؟ هل يفكر المصري أو العربي الفقير باللغة والهوية ام برغيف الخبز (العيش – أي الحياة) والعمل؟ هل يقلق الجنرالات تطوير اللغة وتعزيز الرابط القومي؟
الذي يؤثر على خلق هوية قومية متماسكة هو الاقتصاد، هذه نظرية طرحها كارل ماركس وقد ثبتت صحتها. الدول الرأسمالية المتطورة تطورت فيها الهوية القومية والانتماء القومي واللغة القومية والقوة القومية أيضا لحماية مصالحها على قاعدة تطوير الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، النموذج الأقرب لنا هي دولة اسرائيل. من مجموعة مهاجرين مختلفي الثقافة والانتماء القومي، بنوا دولة واقتصادا يعتبر اليوم من الأقوى والأكثر تنوعا وثباتا في العالم ، تعتبر اسرائيل اليوم دولة ذات أكبر نسبة في العالم لحملة الشهادات العليا بين المواطنين. علميا من أكثر دول العالم تقدما وتصديرا لمنتجات العلوم والتكنولوجيا، وهي ثالث او رابع مصدر اسلحة في العالم من حيث الكمية، العلم بات جزءاً جوهريا من الاقتصاد (80% من صادرات اسرائيل يعتمد على الهايتك)، للمقارنة غير المرغوبة أضيف: تنشر اسرائيل معدل 12 بحثا علميا لكل 10 الاف مواطن (36 بحثا لكل 30 الف مواطن )، العالم العربي ينشر بحثا علميا واحدا لكل 30 الف مواطن. يترجم في اسرائيل الى العبرية 100 كتاب لكل مليون مواطن في السنة، حين تصل الكمية في العالم العربي الى 3 كتب لكل مليون مواطن. هذا عدا ان كل كتاب يباع منه في اسرائيل كميات كبيرة تصل أحيانا الى 70 او 90 الف نسخة. ما عدا قلة نادرة من الكتب العربية وزعت 30 الف نسخة، فكمية التسويق للكتاب العربي لا تتجاوز 3 – 5 الاف نسخة من الكتاب.

ان كل نقاشنا اليوم حول التجديد والتقليد في اللغة العربية هو محاولة لجس النبض والتفكير بالآتي، في محاولة لاستباق الواقع، لجعل التحول اللغوي أكثر مرونة وقابلية للتجسد، لكن الأمر يحتاج الى نشر الوعي لأهمية اللغة في الانجاز الحضاري الحديث.. والأهم إصلاح جهاز التعليم العربي بناء على تجارب من سبقونا الى التقدم والتطور.
اذن الموضوع يتعلق بالواقع الاقتصادي والعلمي والتعليمي ومستوى الجامعات وأبحاثها والقضاء على الأمية ونشر التعليم بلغة عربية ميسرة متطورة، وجعلها لغة علوم وأبحاث وتقنيات، هذا ليس قرارا من فوق، بل تخطيطا للتطوير والنهضة الشاملة الاجتماعية والعلمية والتعليمية والاقتصادية، غيّبته أنظمة الفساد والقمع، وآمل ان لا نواصل نومة أهل الكهف، حتى لا نستيقظ على لغة فات أوان تسويقها لأصحابها أيضا.
لا شك ان اللغة العربية هي جزء من الهوية القومية، ولكن بوضعها البائس اليوم هي همٌّ قوميّ.
حان الوقت لفهم جديد لدور اللغة وأهمية هذا الدور في نقل العالم العربي من واقع الفقر ، الى واقع التنوير والابداع الثقافي بكل امتداده المادي والروحي!!


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: 
[email protected] .



استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق