اغلاق

عن خالد شومان: رثاء غير تقليدي لإنسان غير تقليدي

صديقي وأخي الكبير أبا عمر، نحن على وشك الاحتفاء بالذكرى التسعين لهبوطك الهادئ في عالمنا الفاني. ونحن، في غضون بضعة أشهر،


الدكتور أسعد عبد الرحمن - صورة شخصية وصلتنا من الكاتب  

سنحيي الذكرى العشرين لصعودك، الهادئ أيضا، إلى رحاب الباري. فسلام عليك يوم ولدت، وسلام عليك يوم رحلت.
كنت أنوي –قبل أن تداهمني ذكرى الميلاد والرحيل- كتابة مقال عن الموسيقى والغناء مؤداه؛ أنه كما أن للموسيقى فلسفة، كذلك فإن للغناء فلسفة جمالية؛ تبنيه وتؤطره بالمعرفة الممتزجة بمتعة الإحساس وبالجمال ونشوة الروح. وأنت تعلم –يا صديقي الأثير-أنني متوقف في الغناء، بحكم الضائقة وربما السن أيضا، عند من أعتبرهم عمالقة في الطرب العربي أمثال: أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم ووديع الصافي وفيروز وحليم الرومي (وابنته ماجدة)؛ إذ أني من أسف لا اتابع المطربين الجدد ولا النجوم الجدد، الأمر الذي يعتبره أبنائي وأحفادي –دائما- مدعاة للفكاهة والتندر.
أكتب لك -صديقي وأخي الحبيب خالد-هذا الرثاء على وقع الأغنيتين: «أمل حياتي» و«فكروني»، لنحلق فيهما سويا –وأنت الغائب الحاضر-مع إبداعات كاتب الأولى (أحمد شفيق كامل) الذي نظم أبياتًا أقرب الى الحكاية، كتبها عن أغلى حب يرفرف في قلب إنسان، ليس هذا فحسب، بل حب خلق ليدوم، وصدقني –أيها الغالي- أنني أكثر ما استحضر عند سماعهما قبل صداقتنا سويا؛ علاقتك –وأنت "رجل العائلة" الدافئ المتابع- مع توأم روحك سيدة الفنون سهى شومان (أم عمر) التي أعطتك حياتها...في حياتك، ثم منحتك ما تبقى من حياتها.... منذ رحيلك.

" طبيعة الحياة "
الجميع يتفق أيضا – يا صديقي الغالي-على حب أغنية «فكروني» وكلماتها ومعانيها الراقية، فهي تتحدث (عني وعن محبيك، بل، وعن عموم المحبين) حديث الذكريات والماضي بأشجانه وعذاباته، وهي أغنية أبدع في رسم كلماتها (عبد الوهاب محمد) وخرجت للدنيا بلحن من عود محمد عبد الوهاب، لنستمتع جميعًا بتحفة فنية عز نظيرها. تبدأ الأغنية، مرهفة الحس والمشاعر التي تخرج كلماتها من القلب المولع بحب قديم/ متجدد، بالذكرى مباشرة دون أي تمهيد لما مضى: «كلموني تاني عنك فكروني.. فكروني.. صحوا نار الشوق في قلبي وف عيوني» إلى: «تِسْوى اِيهْ الدُنيا وِاِنْتَ مُشْ مَعايا.. هِيَ تِبْقى الدُنيا دُنيا إلا بِيك.. اِللي فاتْ وَياكْ يا روحي باعودْ إِليهْ.. وِاللي عِشْتُه مَعاك.. رِجِعْتِ اَعيشْ عَليه»!
لطالما استذكرت عنك –يا أخي الحبيب- بغيابك، ضمن ميزات عديدة، ميزتين كبيرتين: "الريادة في الأنسنة... والريادة (المشروطة وبقدر) في المكننة!"، وأقول المشروطة؛ لأن كل ما فيك – بشهادتي وبشهادة أقرب مقربيك- لم يكن له علاقة بالأرقام الجامدة وبالإحصاءات الصلدة والآلات الصماء "الجديرة" برجال أعمال وأصحاب بنوك حولتهم التفاصيل إلى آلات، وجففت فيهم ملامسة الحياة الدفاقة بالبساطة.
ورغم وراثتك لبساطة والدك المؤسس عبد الحميد (رحمه الله) إلا أنك وكخريج كامبردج؛ كنت مطلعا بعمق على طبيعة الحياة والثقافة الإنسانية. فكل هذه الأرقام وتلك الآلات قمت بتوظيفها في مصلحة البشر/ الإنسان/ الموظف/ الأجير، في تناغم فريد ندر أن عرفته مؤسسات "وحش" القطاع الخاص!
وفي هذا السياق، صب شلال تبرعاتك السخية سواء في اتجاه العمل الوطني (وخاصة القدس، التي كانت منها الانطلاقة الأولى وملاعب الصبا، وكانت ذكرياتك فيها من أجمل ما حملته ذاكرتك، وكان حنينك لها لا تحده حدود) أو في الاتجاه الإنساني، وبالذات الثقافي/ الفني مع سيدة "دارة الفنون": رفيقتك حتى اللحظة الأخيرة... وما وراء اللحظة الأخيرة!، كيف لا، وأنت حامل شرف الريادة في تأليف وعزف سيمفونية؛ قوامها التآلف والتناغم غير المعهود بين الحاضر والمستقبل، بين البشر والآلة، بين الإنسان والرقم!

" مثل النسيم "
لقد كنت –يا صديقي المتفهم لشكاوى وأوجاع الآخرين- دائماَ صافي الذهن، متصالحا مع نفسك، غير مشتت الأفكار، تحسن السماع وتجيد الحديث بهدوء، وتترك لدى سامعك إحساساَ عميقاَ بقيمة ما يقول. وكنت صافياَ في طلعتك، وفي سريرتك أيضا. كنت لينا، واسع الصدر، لا تغلق باباَ على موضوع فيه أمل أو رجاء لأحد، وكنت سمحا كريما، وقد أعطيت، بسلوكك هذا، "البنك العربي" لوناَ إضافياَ كان ضرورياَ لمؤسسة عرفت بالتقليدية والصرامة والتحوط الشديد.
وفي دروب جنوبي الأردن، حيث نرى الرمل والورد والصخر، يحن إلى الجمال وإلى روح الإبداع وخصوصية المكان. وعند تلة، تشارف الطرق المقدسة إلى الديار النبطية جوار البتراء (التي أحببت وعشقت صخرها وجمال أفقها وأصيل غروبها) اخترت أن ترتاح روحك الطيبة وتهدأ من نضال سبعين عاما، أحببت فيها الناس والأرض وعوالم الثقافة والفن، ولهذا جسد حبك لأرض النبط، دوام تصوفك وتنسكك بأسرارها وخاطرها الإبداعي الذي يغسل النفوس والأحلام.
ومع أنك - يا أيها الغالي أبا عمر - مثل النسيم عشت ومثل النسيم عايشناك، فإن ذكرى رحيلك تحمل لنا في جزيئات ذلك النسيم أشواكاَ تنغز...وتؤلم ... وتدمي! ورغم ذلك، ها نحن نحرص على تذكرك لكي "نستمتع" بذلك النغز والألم والإدماء من أجل أن نستعيد صورتك، صوتك، ابتسامتك، وسيرتك العطرة، ولو لجزء من الثانية! واليوم، في ذكرى يوم ولادتك، نتذكرك بقوة... ونتألم بقوة!
وأنت، وإن مضيت، أو ذهبت، كما يحلو لك، فانك معنا وفينا باق كما يحلو لنا! وتماما مثل صحبتك لنا بالماضي، فان صحبة ذكراك اليوم-أيضا- تحلو لنا!، ولن تأفل عنا (مطلقا) سواء بحضورك أو إنسانيتك أو تواضعك أو ضحكتك المرحة المفاجئة أيضا!
وكم من ميت… حي مثلك، وكم من أحياء بيننا… أموات!


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق