اغلاق

شهادة عن شاهد - بقلم : الشيخ صفوت فريج

الذاكرة الجمعية لمجزرة كفر قاسم رسخت في عقول الأجيال وسكنت وجدانهم من خلال مسيرتها في محطات عدة، منها الإعلامية والميدانية والسياسية والأدب والشعر والفن..


الشيخ صفوت فريج - صور وصلت لموقع بانيت وصحيفة بانوراما من مكتب الشيخ صفوت فريج نائب رئيس الحركة الاسلامية

لكن الدور الأبرز كان لمن عايش المجزرة فاكتوى بنارها وذاق مرارتها. فالجرحى والناجون حفروا روايتهم في الصخر؛ فلا السنين تطويها في النسيان، ولا الأجيال تتركها للأراشيف والكتب..

وإليكم قصتي الخاصة مع والدي رحمه الله:
أذكر عندما كنا صغارًا، وكانت تأتي ذكرى المجزرة، كنا وبعد المشاركة في الفعاليات والنشاطات الخاصة بالمجزرة نعود للبيت ونحاول إقناع الوالد -المرحوم الحاج محمود محمد الصوص فريج- جريح المجزرة والشاهد عليها، أنْ يُحدّثَنا عن تفاصيلها، فكان يرفض ذلك، ولا يستطيع الحديث عن أهوالها.

وبقي على هذا الحال حتى جاءت الذكرى الأربعين للمجزرة، حيث قامت لجنة إحياء الذكرى بتصوير فيلم وثائقي عن أحداث المجزرة وتفاصيلها.
وحينها، أقنع رئيس المجلس المحلي آنذاك الشيخ إبراهيم صرصور (سنة 1996) الوالد بالحديث وإدلاء شهادته لمحكمة التاريخ. حيث كان متحدثًا مركزيًا في الفيلم، وروى أحداث المجزرة بتفاصيلها التي سمعها وشاهدها بكل فصولها، من لحظة الإعلان عن منع التجول، وكيفية وصول الخبر إليهم، مرورًا بدخولهم للبلدة الوادعة، حيث كان يقود مجموعته، وكان على رأس الدفعة الأولى التي واجهت الرصاص الغادر بصدورهم وأجسادهم دون ذنب ولا تحذير!.

وكان يدلي بشهادته والغصة والألم في حديثه، يتنهد كثيرًا، ويأخذ استراحات عديدة، حيث لا ينطلق يقوى على الحديث المتواصل؛ لهول ما رأى من مشاهد يشيب لها الولدان، خاصة ونحن نتحدث عن شاب لم يبلغ الخمسة وعشرين عامًا؛ فبين جرح نازف، وحسرة فقدان أخيه الشهيد أحمد، مرورًا بإهانات تلقّي العلاج للمصابين في المستشفيات، وما تلا ذلك من عمليات إجبار من قبل المؤسسة العسكرية المتمثلة بمهزلة المحاكمة الصورية والصلحة المهينة ومضايقات الحكم العسكري..

مجزرة كفر قاسم كانت سلسلة وفصولًا من المجازر البشعة التي تدلّ على عقلية الكراهية والحقد التي تحملها الدولة تجاه ما تبقّى من فلسطينيين في أرضهم ووطنهم.

بعد ذلك التاريخ، 29/10/1996، انطلق لسان الوالد مخترقًا حاجز الخوف الذي صاحبه لأربعة عقود، فأصبح يتحدث عن المجزرة لكل وسائل الإعلام المحلية والدولية، العربية وغير العربية، بل كان سفيرًا ينقل رسالة المجزرة والشهداء والجرحى والناجين بأمانة بين المدارس والجامعات وفي الندوات والمهرجانات.

كنت فخورًا به وأنا أستمع إليه، فقد كان لبقًا في الكلام، حاضرًا في الذاكرة. وحين يتحدث عن المجزرة كان يتخيل فصولها أمامه كأنه يراها رأي العين.

نعم، هكذا هي المجازر، لا تنتهي بوقف إطلاق الرصاص ودفن الجثث، ولا تُنسى مع اختفاء آثار الدم الذي روى التربة فزادها قدسية، وإنما تحفر في الذاكرة، ولا يمكن لها أن تندثر مع مرور الزمن. فأزيز رصاص الغدر والكراهية لا ينفك يغادر آذان الجرحى والناجين، ومشاهد الجثث المنتشرة في الفلماية لا يمكن له أن يمحى من الذاكرة والعيون، وسماع صراخ النساء والأطفال والقتلى- "أنا من كفر قاسم.. أنا من كفر قاسم"- ما زال يسكن في فضاء مسرح الجريمة، ويعيش في وجدان أبناء وأحفاد الشهداء والجرحى والناجين.

وكذا هو الحال مع الأجيال التي سمعت أهوال المجزرة بفصولها المرعبة، فالذكرى حاضرة فينا أبد الدهر، ولا يمكن لها أن تطوى في عالم النسيان.
عهدًا ووعدًا نقطعه على أنفسنا، أنّنا ما نسينا، ولن ننسى، وأنّنا ما غفرنا، ولن نغفر، وأنّنا ما سامحنا، ولن نسامح..
كفر قاسم..كفر قاسم.. دمك المغدور ما زال، وما زلنا نقاوم.



استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق