اغلاق

زينب علي البحراني تكتب:المثقفون.. وهيبة الصحافة الورقية

كل كاتبٍ جرَّب العهد الذهبي للصحافة الورقية لا يُمكن أن تنسى روحه مذاق تلك اللحظة الفاتنة المحفوفة بالأشواق والتوق والشغف، لحظة ميلاد عدد الصحيفة التي

 
صورة للتوضيح فقط - تصوير: shironosov iStock 

نُشر مقاله أو نصه الأدبي على صفحاتها بعد أيام من الترقب والصراع بين اليأس والأمل، وبين الخيبة والرجاء.. أيامها كانت تلك الصحافة تستحق لقب "صاحبة الجلالة" عن جدارة، لأن المثقف الذي يحظى بالتفاتة منها نحو أعماله ومُنجزاته يُعتبر ممن أغدق عليهم الحظ بوافر كرمه، والأديب الذي يُرحب بلاطها السامي بنصوصه وإصداراته تُفتح له أبواب المجد على مصاريعها، فهي الأرض المُقدسة التي لا يبلغها من هب ودب، والقمة التي لا يصعد إليها إلا ذو حظ عظيم نادر من ذوي الإشعاع والتألق.

" هالة من الجدية "
كان بزوغ صورة أحد الأدباء أو المثقفين مُذيلة باسمه في جريدة حدثًا جللاً يصدح بشهرته نحو المسامع في أقصى الآفاق، لأن وصوله إلى هذا المكان الذي لا يصله إلا "المشاهير" و"الشخصيات المُهمة" يعني أنه مُستحقًا للشهرة والأهمية، لا سيما وأن نشر نصوص المُبدع أو أخبار المُثقف يخضع لشروط "انتقائية" تجعل من هذا النشر أمرًا عسيرًا بعيد المنال عن المُبتدئين أو غير الجادين في هذا المجال، وكان أثر المادة الصحفية الواحدة التي يُذكر فيها اسمه أو تُنشر صورته يوازي أثر مائة مادة تُنشر عنه هذه الأيام عبر الصحافة الإلكترونية أو مواقع التواصل الاجتماعي، فالجريدة والمجلة الورقية تذهب إلى الناس في المقاهي وعلى مقاعد الانتظار في عيادات الأطباء وعند الحلاقين وصالونات تجميل النساء سامحةً للصدفة بنقل بعض الأخبار والإعلان عن بعض المعلومات المثيرة للاهتمام وإن لم يسعَ المُتلقي لشرائها من نقاط البيع، وكان أمرها يؤخذ بجدية بين أيدي قُرائها كبارًا كانوا أم صغارًا، اثرياء أم فقراء، حاملي شهادات دكتوراة أم لم يُكملوا المرحلة الابتدائية، كما كانت تلك الهالة من الجدية التي تُحيط بها تُعطي هذا المبدع أو المُثقف فرصة وصول اسمه وأعماله إلى أبصار ومسامع ذوي الشأن الرفيع في المُجتمع، وتسمح له بأن يكون محط تقديرهم واحترامهم، فضلاً عن رغبتهم في التعرف إليه أحيانًا.

" قنوات غربلة "
قد يتصور البعض أن وسائل التواصل الاجتماعي غدت قادرة على أن تحل محل الصحافة التقليدية، ويظن آخرون أن الصحافة الإلكترونية كافية بما يقود لاتخاذ قرار إلغاء الصحافة الورقية، والحقيقة أن مُصيبة كهذه إذا حلَّت على عالم الصحافة الورقية وألغت وجودها إلى الأبد فهذا يعني كارثة تفترس جانبًا عظيمًا من قداسة الإعلام وتُسقط هيبة ما تبقى من بلاط "صاحبة الجلالة"، فالبشر لا يحترمون خبرًا "سهل المنال"، ولا يُقدرون وسيلة يستطيع أي ممن هب ودب أن ينشر ما شاء عبرها وبواسطتها دون أن تمر بقنوات غربلةٍ تتأكد من مصداقيتها وجديتها وجودتها، ومع كُل التقدير لدور الصحافة الإلكترونية في عبور القارَّات والوصول إلى فئات بعيدة، أو فئات كسولة، أو فئات بخيلة من البشر؛ إلا أنها فشلت في أن تبلغ ذاك الكبرياء الملكي الأنيق الذي مازالت تمتاز الورقية به، وإذا كان لـ "الرأسمالية" ما يعتبره البعض "مساوئ"؛ إلا أن من محاسنها مُحافظة بعض رجال الأعمال حول العالم كله على صدور الصحف والمجلات الورقية بصورتها التقليدية وإن ساندتها مواقع إلكترونية باسمها وأوصلت مضمونها إلى مئات أكثر اتساعًا ومساحات أبعد.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: 
bassam@panet.co.il  .


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق