اغلاق

مقال:في الذكرى الـ 131 لميلاد عميد الأدب العربي طه حسين

صادف هذا الأسبوع في يوم 15/11/2020 ذكرى مرور (131) سنة على ميلاد عميد الأدب العربي طه حسين، فقد ولد في تاريخ 15/11/1889 وتوفي في تاريخ 28/10/1973،


صورة للتوضيح فقط - تصوير: shironosov iStock 

ومما لا شك فيه ان طه حسين كان طفرة من طفرات عصره وحتى اليوم، وقد انطبق عليه القول "كل ذي عاهة جبار" إذ أنه كان كفيف البصر لأنه أصيب في طفولته بمرض أفقده البصر، لكنه تحدى هذه الإعاقة وتعلّم وتعلّم وتعلّم إلى أن وصل إلى أرقى ما يمكن أن يصل إليه أي إنسان عادي وغير عادي.
وقد انهى دراسته الابتدائية في الكتّاب صغيرًا والتحق بالأزهر قبل أن تنبت له لحية على وجهه واحتال من أجل قبوله في الأزهر الذي كان يشترط بالطالب أن يكون ملتحيًا بوضح لحية مصطنعة اكتُشفت لاحقًا، كان طه حسين لامعًا وذكيًّا في جميع مراحل دراسته من الكتّاب إلى الأزهر إلى الجامعة المصرية ومن ثمّ إلى فرنسا لنيل لقب الدكتوراة من خلال بعثة حصل عليها من الحكومة المصرية.. وهناك التقى بصديقة له (سوزان) التي رافقته في حياته العلمية والتحصيلية في فرنسا حيث عبر عن مرافقته لها طالبة ثم زوجة فكانت "المرأة التي أبصر بعينها"، مال منذ صغره إلى الأدب وكان أول كتاب ألفه (الأيام) الذي وصف فيه فترة تعلمه في الأزهر فكان من أروع ما كتب ومرجعية لأساليب التعليم في الكتاب.

" 32 كتابا "
أما أسلوبه في الكتابة فكان من السهل الممتنع وفيه برزت قدرته على نظم الشعر أيضًا، وقد حفظ القرآن في الكتاب وعمره لا يزيد عن تسع سنوات، كان مجموع الكتب التي ألفها طه حسين قد وصلت اثنين وثلاثين كتابًا نذكر منها كتابه المشهور "في الشعر الجاهلي" والذي أثار حفيظة الأزهريين وغضب السلفيين والمحافظين مما أدى إلى جمعه من أيادي الناس وحرقه، وقد استبدله طه حسين فيما بعد بكتاب "في الأدب الجاهلي" وفيه ينتقد بشدّة الشعر الجاهلي والقديم والانتحال الذي حصل له، في هذا الكتاب اتبع طه حسين مذهب ديكارت في تشكيكه بالأشعار التي وردت آنذاك، هذا المذهب الذي يتخذ الأسلوب المعروف والذي يسير من اليقين أي محاولة التسليم بما ورد على لسان الرواة من الشعر الجاهلي، ثم ينتقل إلى الشك المدعوم بقرائن وإثباتات عقلية منطقية ثم الوصول إلى اليقين المؤكّد، نشير إلى أن هذا المذهب كان قد اتبعه الإمام الغزالي قبل ديكارت بزمن طويل ونسبته تصح أن تكون للغزالي وليس لديكارت.

" اسلوب المخاطبة "
من قائمة الكتب التي ألفها والتي كما ذكرت وصلت إلى اثنين وثلاثين كتابًا نذكر على سبيل المثال كتبًا مشهورة مثل "دعاء الكروان" و "شجرة البؤس" و "على هامش السيرة" و "حديث الأربعاء" و "مستقبل الثقافة في مصر" و "الحب الضائع" و "جنّة الشوك" و "مع أبي العلاء في سجنه" و "مع المتنبي" و "أحلام شهرزاد" و "تاريخ الأدب العربي" وكما ذكرت فقد اتبع في كتابته عدة أساليب خاصة به منها" أسلوب "السهل الممتنع" في لغته وتقسيم الجمل وتكرارها وبالجاذبية التي تحمل القارئ على المتابعة على ما فيه من تكرار، وقد امتاز بحسن الألفاظ وكان يؤثر في كتابته أسلوب المخاطبة والأسلوب القصصي والأسلوب الشعري بحيث يشعر القارئ نفسه أثناء قراءة بعض كتبه أنه يقرأ شعرًا موزونًا مقصى أو شعر التفعيلة. ترجمت كتب طه حسين إلى لغات كثيرة منها وعلى رأسها الفرنسية والإنجليزية.
كل هذا أهله لنيل اللقب "عميد الأدب العربي" بلا منازع شغل طه حسين عدة مناصب منها رئيس الجامعة المصرية، ومنها وزيرًا للمعارف، هذا بالإضافة إلى أنه كان نشيطًا في الحياة الاجتماعية والسياسية. كانت حياة طه حسين زاخرة ليس هنا المجال لتفصيلها في هذا المقال الذي أود أن أنهيه بذكر المفارقة التي حصلت له عندما زار لبنان، وكان يسمع دائمًا عن حفلات الزجل اللبنانية، وقرّر أن يحضر إحدى هذه الحفلات التي كانت تقام مساءً. كان شعراء هذه الحفلة الزجالين، شحرور الوادي وعلي الحاج وأنيس روحانا  وطانيوس عبده.

" طرائف الشعراء "
يقول خالد القشطيني في مقال له تحت عنوان "الشعراء في أخوانياتهم" "قرأنا الكثير شعرًا ونثرًا مما قيل في الإشادة به في تكريمه وفي رثائه، بيد انني لم أجد ما هو ألطف وأظرف في هذا الخصوص من الأبيات الزجلية التي سمعها احتفاءً به عند زيارته للبنان "ويقول نجيب البعيني في كتابه الأنيس "طرائف الشعراء في مجالس الأدباء" ان الدكتور طه حسين قد سمع بالطريقة التي يرتجل بها شعراء العامية في لبنان أزجالهم في مساجلاتهم الشعرية، فعبر عن رغبته في سماع شيء منها.
وكانت فرصة مواتية ان دعوه إلى حفلة من حفلات "شحرور الوادي" التي اعتاد أهل بيروت على الاستمتاع بطرائفها. دخل عميد الأدب العربي بطربوشه الأحمر الطويل ونظارته السوداء التي أصبحت العلامة الفارقة للأديب المكفوف أو قُل الأديب البصير، انتبه أحد الحاضرين إلى دخوله وجلوسه في زاوية من القاعة، فنادى مرحبًا به وقال: "أهلاً وسهلاً بطه حسين".
سمع ذلك شحرور الوادي فمسك بالمبادرة الزجلية فأضاف وقال:
أهلاً وسهلاً بطه حسين
ربي أعطاني عينين
العين الواحدة بتكفيني
خذ لك عين وخلي عين

ضجت القاعة بالاستحسان والتصفيق وانطلق الجمع من الحاضرين يرددون في نغمة واحدة: "خذ لك عين وخلي عين". وكان أثناء ذلك قد تنحنح الشاعر علي الحاج، الشاعر الثاني في الفرقة، ليفسحوا له المجال، فانطلق منشدًا:
أهلاً وسهلاً بطه حسين
بيلزم لك عينين اتنين
تكرم شحرور الوادي
منه عين ومني عين

جاء دور الشاعر الثالث من الفرقة، أنيس روحانا، فرفع صوته وأنشد قائلاً:
لا تقبل يا طه حسين
من كل واحد تأخذ عين
بقدم لك جوز عيوني
هدية، لا قرضة ولا دين

استدرك الشاعر الرابع في الفرقة، طانيوس عبده، فصحح زملاءه قائلاً:
ما بيلزم له طه حسين
عين، ولا أكثر من عين
الله أختصه بعين العقل
بيقشع فيها عالجنبين

ان القضية أعلاه تؤكد ما ورد من نقاش حول موضوع أعمى البصر وأعمى البصيرة والمفاضلة بينهما، فقد رويت حكاية دارت أحداثها في قبيلة قريش زمن الرسول (صلى الله عليه وسلام)، وقد دار النقاش بين أحد بني أميّة عائلة أبي سفيان ومعاوية وبين أحد بني هاشم عائلة الرسول، حيث عاير أحد بني أميّة بني هاشم بقوله "انكم يا بني هاشم لتصابون في أبصاركم" إشارة إلى أن العمى كان من نصيب بني هاشم في الغالب، فأجابه: "وأنكم يا بني أميّة لتصابون في بصائركم" أي في عقولكم.


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: 
bassam@panet.co.il  .


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق