اغلاق

قصة بعنوان مناضل عنيد - بقلم الكاتبة أسماء الياس

تاريخ نضالك كبير وواسع فقد استوقفتني كلماتك تلك الكلمات التي لا يجرؤ أحد ما على تقليدها. ذات مرة وجدني أبي أبحث بين أوراقه عن رواية تزيح عن كاهلي الملل الذي

 
الكاتبة أسماء الياس - صورة شخصية
 
سيطر عليّ بشكلٍ كبيرٍ، كنت غارقة حتى الأذنين بقراءة مسودة قصيدة غزل، موجهه لوالدتي، قرأتها بتمعن شديد، تخيلت تلك الأيام التي كان الحب فيها صادق ونقي وصافي مثل جدول الماء الذي يروي السهول الخضراء كم تمنيت من الذي وقع حبه في قلبي . يكون بارعاً مثلك في وصف حالة العشق، تلك الحالة التي لا يستطيع وصفها إلا شاعراً يمتلك قدراتك يا والدي..
أول سؤال وجهه لي:
-عن ماذا تبحثين؟ أجبته عن:
- رواية اقرأها.
- وماذا بين يديك؟
- رسالة حب.
- ماذا رسالة حب.
-  من كتبها لك؟
- انت يا والدي كتبتها لوالدتي.
- دعيني أرى، آه تذكرتها، هذه القصيدة من عمرك.
- ابتسمت من عمري  تتكلم جد.
- نعم يوم ولدت كتبتها لوالدتك.
- شيء جميل، لكن لماذا لم تنشرها في آخر كتاب أصدرته؟ لقد أعجبتني كثيرا فيها دلالات الحب واضحة المعاني.
-  بحثت عنها  في كل الأدراج، وفي كل مكان لكنني لم أجدها.
-  كنت تحب والدتي كثيراً؟
- كانت أيامنا أفضل بكثير من هذه الأيام.
-  لا شك في ذلك يا والدي،  زمان كان الحب هو السائد بين الأزواج وحتى الاخرين من الناس، لكن اليوم أصبحنا نعيش في غابة وحوش  الانسان اصبح وحشا لو صح له أن  يأكل لحوم الاخرين  لن يتراجع.. شيء مخيف يا والدي الذي يحدث من جرائم قتل وعنف.
- نعم معك حق. سألني:
- اين امك؟
- لقد ذهبت لكي تشتري بعض حاجيات البيت.
-  لماذا لم ترافقيها افضل أن تذهب وحدها.
- لم تذهب وحدها فقد رافقتها أختي.
- جيد جداً.
- ماذا يوجد طعام؟ أنا أتضور جوعاً.
- حالاً تكون المائدة جاهزة، على فكرة لقد وجدت عدة روايات سوف ابدأ بقراءتها اليوم.
- جميل جداً.
أحضرت لوالدي الطعام بعد أن أنهى طعامه جاءت والدتي وأختي تحملان بين يديهما أكياس مليئة بحاجيات البيت خضار وما شابه..  رتبت  امي كل شيء في مكانه. قلت:
- ما رأيكم بفنجان من القهوة يضبط المزاج؟
الجميع بصوت واحد ونعمَ الاقتراح. أعددت القهوة
وجلسنا جميعا في الشرفة. فكان الطقس مشمسا لطيفا، نسماته عليلة، من أيام الصيف المنعشة الجميلة، تحدثنا عن أحداث الساعة، وما الذي يحصل على الساحة السياسية. تكلمنا عن أحداث القتل الحاصل في المجتمع العربي، وكم من جريمة حصلت وإلى اليوم لم يتم القبض على أي قاتل.
- أكيد هذا تقصير من الشرطة. قلت بحماسة.
قال أبي: نعم دون شك، لو أن الشرطة تعمل على سحب السلاح من كل يد. وحماية المدنيين من هؤلاء المجرمين الذين لا يتورعون تسليط أسلحتهم على رقاب البشر. لأصبحنا نعيش بخير وامن وسلام.
كم من بريء مات دون ذنب له، فقط لأنه تواجد في المكان الخطأ  في ساعة اطلاق النار على ضحية ما، لكن رصاص الغدر لم يصب المقصود لكن الرصاص اصاب  شخصا ما مر من المكان في تلك اللحظة..
  أسلوب الشرطة فيه تخاذل وتتباطأ في التحقيق ان كان حادث القتل قد وقع في المجتمع العربي العنصرية واضحة كل الوضوح وهذا شيء مغاير جدا لو وقع  هذا الحادث في  المجتمع اليهودي.
والغريب في ذلك ان الشرطة تعلم علمَ اليقين من يحمل السلاح، ومن هم الذين يتعاملون  في السوق السوداء. لكن إلى اليوم لم تحل لغزاً واحداً من كل الجرائم التي حدثت.
-    كلامك صحيح يا والدي، لو أن الدولة عاملتنا مواطنين لهم كامل الحقوق، لأصبحنا نعيش بسلام وأمان. لكننا نعيش بدولة احتلت أرض الغير، ونحن أبناء هذا الوطن أصبحنا ضيوفا، وهم أهل البيت، اليس هذا قمة الظلم.
-    دون شك يا ابنتي هذا قمة الظلم والتعسف.
ذات يوم رافقت والدي لإحدى الأمسيات الثقافية، فوالدي شاعر وكاتب معروف، قد استقبلوه بالترحاب، إلا شخصاً واحداً جلس بعيداً ينتظر أن ينفض الجمع من حول والدي، حتى يأتي ويعانقه، فقد أحبه جداً أحب نضاله، فهما رفيقا نضال عاشا سوياً فترة الاحتلال، تلك الفترة الصعبة من تاريخ أمتنا، نحن العرب الذين لم يتخلوا عن أراضيهم، مع أن الكثير من عرب الداخل الفلسطيني غادروا البلاد خوفاً من الاحتلال، ربما خدعهم الاعلام العربي، عندما نشر شائعات كاذبة من خلال الإذاعات، بأن العودة ستكون قريبة، فالمطلوب منكم  الابتعاد قليلاً حتى تهدأ الأحوال.
عند إحصاء السكان عاد من عاد،  لأن أمثال والدي كان لهم الأثر البالغ في اعادتهم  للوطن، عندما قال لهم:
-    إذا لم تعودوا اليوم معي، بكل حياتكم الآتية لن تشتموا هواء البلاد، ولن تدوسوا تراب الوطن، تكونوا خاسرين بلا شك .
أبي عدا أنه شاعر مخضرم، ولديه باع طويل في السياسة، فقد امتلك شخصية قوية، وقوة اقناع لن تجدها عن احد.
بتلك الفترة عمل والدي على تسجيل أكبر عدد من السكان، حتى يكونوا مواطنين بدولة الاحتلال، الدولة التي اغتصبت أرضنا، رغم أننا سكانها الأصلين، لكننا نعامل بمستوى الدرجة الثانية من حيث الحقوق.
عدا عن كل هذا تميز والدي الشاعر حنا إبراهيم " حقيقة الاسم الذي درج والدي كتابته يعود لسنوات مضت عندما كان يلقب الشخص بكنية والده، وليس بلقب العائلة، لذلك اشتهر والدي باسم "حنا إبراهيم" رغم اسم العائلة "الياس" تميز والدي بقول الحقيقة " ولو على قطع رأسه" إنسان صادق عمل طوال عمره على نشر المحبة، والدفاع عن حقوق الأقلية، نعم نحن عرب الداخل حقوقنا المهضومة مع دولة عنصرية، تكره العرب وتريد ترحيلهم، لكن إلى أين؟ هذه بلادنا، هنا ولدنا وتربينا، لن يستطيع أحد سلخنا عن أرضنا، لأن سمارها من سمار بشرتنا، من سواد عيوننا.
أتذكر عندما كان والدي يقص علينا قصة الهويات الحمراء، وكيف عمل هو وبقية رفاق الحزب على تسجيل السكان وجعل لهم هوية وإقامة دائمة في البلاد، عندما تبرع المحامي "حنا نقارة" "محامي الأرض" وقد تغنت إحدى نساء القرية أغنية شعبية "طارت طيارة من فوق الليلة الله ينصركم يا شيوعية حنا نقارة جاب الهوية غصب عن رقبة ابن غريونا".
برفع دعوة قضائية ضد الدولة في المحكمة العليا، وأثارت هذه القضية جنون الدولة عندما حاولت بكل ما تستطيع أن تتخلص من وجود العرب فاخترعت الهوية الحمراء التي هي بمثابة تصريح مؤقت يطرد حاملها حال انتهاء مدتها، لذلك والدي هو من الشخصيات التي حاربت وناضلت من أجل الحصول على الهوية الزرقاء، وهكذا انتصر الرفاق، وكانت البداية.
 
 
 
 
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: bassam@panet.co.il.
 
 

 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق