اغلاق

رثاء معلم ... الى أبا المأمون، بقلم : عطاالله الجبور

لست ادري لماذا كلما حاولت ان اقول فيك كلمة رثاء تطفر الدمعة من عيني؟! لقد عهدناك محبا للحياة لا بل، عاشقا لها، هادئا كما الحمام، متواضعا كما السنابل الزاخرة بالقمح

عطاالله الجبور

 بسيطا كعشاء الفقراء، مخلصا في عملك وعطائك , عظيم الهمة نظيف القلب واليد واللسان!
أبا المأمون ...
الحـقُّ نـادَى فاسْـتجَبْتَ, ولـم تَـزل ...  بــالحقِّ تحــفِلُ عنـدَ كـلِّ نِـداء
خــلَّفْت فــي الدنيـا بيانًـا خـالدًا ...  وتــركْت أَجيــالاً مــن الأبنــاءِ
وغـدًا سـيذكرك الزمـانُ, ولـم يَزلْ ... للدِّهــرِ إِنصــافٌ وحسـنُ جـزاء

من أين أبدأ فيك رحلة كلامي، وأنت الكلام كلّ الكلام؟!
أبا المأمون ، أيّها الأصيل،المعلّم، الّذي قضى حياته من التّواضع إلى التّواضع ...
 من أين أبدأ وأنت مفرد بصيغة جمع , اندغمت فيك المتناقضات ...
جمعت الرّقّة والصّلابة/ العذوبة والجزالة/ الشّفافيّة والقوّة/ العناد والدّماثة، فتلوّنت شخصيّتك وتنوّعت حياتك، تتنقّل فيها من محطّة إلى محطّة بين مدارج ذات قوام واحد: الصّبر والثّبات/ الصّمود والتّحدّي / العزم والعزيمة/ الإرادة والحقّ..
فكم هي قاسية لحظات الوداع والفراق، التي تسجل وتختزن في القلب والذاكرة. وكم نشعر بالحزن وفداحة الخسارة والفجيعة، ونختنق بالدموع.

 نودعك استاذنا الفاضل فتنحني قامتنا وكبريائنا احتراما وتقديرا لمقامك الرفيع . كنت واحد من جيل المربين والأساتذة الافاضل المؤمنين بالرسالة التربوية العظيمة، الناكرين للذات، من ذلك الزمن الجميل البعيد، أستاذنا جميعا.ً.
فقد فارقت الدنيا،  بعد مسيرة عطاء عريضة، ومشوار حياة في السلك التعليمي والعمل التربوي والاجتماعي، تاركاً سيرة عطرة، وذكرى طيبة، وروحاً نقية، وعبق أريج نرجسية  وشذا شجرة برتقال يافية، وميراثاً من القيم والمثل النبيلة.
أستاذنا الكريم، إن العطاء في الحياة سر من أسرار الخلود، سر عرفته وعرفت كيف تجعله نهجا ونمطا لحياتك، فمهما حاول الموت، لن يمحو ذكر من أعطى كل هذا العطاء .
فيا أيها الانسان الطيب، والمربي المخلص، ويا نبع العطاء والنهر المتدفق حباً لعملك، يعز علينا فراقك، في وقت نحتاج فيه الى امثالك من الرجال الأوفياء الصادقين.
ومهما كتبنا من كلمات رثاء، وسطرنا من حروف حزينة باكية، لن نوفيك حقك لما قدمته من علم ووقت وجهد وتفانٍ في سبيل شباب ورجال المستقبل والغد.
علمتنا الأخلاق والقيم الفاضلة، وغرست فينا حب العلم والمعرفة، ونميت في اعماقنا قيم المحبة والخير والانتماء. .
ويا لسعادتي، وشرف كبير لي، انني كنت واحداً من طلابك وتلاميذك..
عرفناك معلماً هادئاً، متسامحاً، راضياً، قنوعاً، ملتزماً بانسانيتك كما ملتزما بدينك وواجباتك الدينية. حملت الامانة باخلاص، واعطيت للحياة والناس جهدك وخبرتك وتجربتك وحبك للجميع.

تمتعت استاذنا الفاضل بخصال ومزايا حميدة، جلّها الايمان ودماثة الخلق وحسن المعشر وطيبة القلب، متميزاً بالدماثة، والتواضع الذي زادك احتراماً وتقديراً ومحبة في قلوب الناس والطلاب وكل من عرفك والتقى بك.
 وهل هناك ثروة يبقيها الانسان بعد موته أكثر من محبة الناس..؟!
 فكنت رسول علم ومعرفة، وجدول عطاء وتضحية، ونعم المعلم والمربي والأب الحنون والأخ الودود والصديق الصدوق. فكنت قدوة ونموذجاً ومثلاً يحتذى في البساطة والوداعة والرقة والعطف والحنان وعملت الخير وسمو الاخلاق وطهارة النفس والروح ونقاء القلب والعفوية والتسامح.
واعطيت كل ما لديك بلا حدود، ودون كلل أو ملل، ان مهنتك ورسالتك هي من أصعب المهن وأهم الرسالات، رسالة العلم والتربية، بكل ما تحمله في طياتها من المعاني، التي في صلبها بناء الانسان، وبناء الوطن وبناء المجتمع .
لقد غيبك الموت استاذنا ومعلمنا الحبيب الغالي، ومربينا الوفي "جسداً، لكنه ستبقى في قلوبنا ما بقينا على قيد هذه الحياة. ولن ننساك، وستظل بأعمالك ومآثرك وسيرتك نبراساً وقدوة لنا .
نم ايها المربي, نعم والف نعم ابا المأمون ,,,
 ايها المعلم مرتاح البال والضمير، فقد أديت الامانة وقمت بدورك على أحسن وجه. والرجال الصادقون أمثالك لا يموتون.

أبا المأمون ...
يا عاشقا لدينه / يا عاشقا لبلده/ يا عاشقا لتلاميذه/ يا عاشقا للغته/ يا عاشقا لتراثه/ يا عاشقا لتاريخه/ يا عاشقا لانتماءه/ ليتنا نتصاغر اليوم لنصبح باقة ورد، ضمّة حبق نضعها اليوم على ضريحك عرفانا منّا بالجميل.
أبا المأمون, فقد كنت عظيما في حياتك وانت اليوم عظيم بعد مماتك! فطوبى لك ايها المعلم الذي جعل الحنين فاكهة وسيج الحيرة والحزن بزهرة النرجس يفوح عطرها فيعبق الجو بها.
نم قرير العين لانك خالد فيما عملت وقدمت وضحيت! وفيمن خلّفت من خلف صالح لخير سلف.

تغمدك الله استاذنا بوسيع رحمته، وأسكنك فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .

لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا


 

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق