اغلاق

ناجي ظاهر صديقي الاديب التراكمي*، بقلم: محمد علي سعيد

صديق الجميع يعزف على أكثر من وتر إبداعي: الشعر، القصة القصيرة، الرواية، السيرة الذاتية، المقالة، ناهيك عن عمله الصحفي. تعود علاقتي بناجي ظاهر الى أكثر من أربعين عاما،


الكاتب محمد علي سعيد

 ما كنت أزور الناصرة عامة العرب، إلا وأزوره في مكان عمله ولما أزل، عملنا معا في تحرير مجلة الشرق الأدبية التي توقفت لأسباب ما في العام الفائت 2014.

ناجي مثال الانسان والاديب العصامي، بنى نفسه بنفسه وخطا الى الامام نحو الأدب الصافي بهدوء وبثقة، معتمدا في ذلك على الموهبة التي منحها الله له، وعلى القراءة الواعية والجادة والجيدة في مجالات الأدب المتعددة من نصوص إبداعية ونقدية مقارنة على المستوى المحلي والعربي والعالمي.

لقد غذى موهبته المباركة بغزارة المطالعة الجادة يوميا؛ لأنه أدرك بوعي مذوّت وليس مدخلن (والفرق شاسع بين مصطلحي الدخلنة وهو الكثير جدا في مجتمعنا والتذويت وهو القليل).

 أدرك أن الموهبة وحدها ومهما بلغت لا تكفي للإبداع بمفهومه العميق، وأن من يتكل ويعتمد عليها فقط لا بدّ عاجلا أو آجلا سيتحجر ويجتر نفسه أو يقدم سيئا  وبالضرورة سيتأخر عن مسيرة الركب الأدبي الجيد. كما أنه أدرك الفرق بين الأمية الحرفية والفكرية، وبهذا أنقذ نفسه من عقدتين هما نفسيتان بحسب رأيي، وهما: الاعتقاد بأن الموهبة وحدها تكفي، والاعتقاد بأن الثقافة العامة والسطحية تغطي. أعرف جيدا، أنه كان ولما يزل يشتري الكتاب على حساب لقمة عيشه، وكثيرا ما يتغذى عقله على حساب جسمه.

ناجي ظاهر: موسوعة أدبية تسير على قدمين، ومن الادباء الذين يطيب الجلوس إليه، فهو من الادباء الذين إذا تحدثوا  أفادوا حقا. فطوبى له، وأكثر الله من أمثاله.

وصدقوني، وكل من يعرفني يعرف، أني لا أجامل وإن كنت أجامل أحيانا بحكم العلاقة الطيبة بيني وبين الادباء، وأعتز أني أعرف أكثرهم جيدا..  ومن باب الدعم والتشجيع بوحي من المقولة التربوية " النبوءة تحقق نفسها".

كثيرة هي تصنيفات الأدباء عامة، لكني هنا أميل الى التصنيف الثنائي وهو: الأديب الشهابي والأديب التراكمي، فالشهابي يتوهج كالشهاب في ابداع ما فيلفت النظر إليه ولكنه سرعان ما ينتهي في عمله الشهابي هذا وإن أصدر أعمالا فيما بعد، وكل وسائل الإضاءة والتلميع الإعلامي لن يفيده (وقد عانى الكثيرون من هذا)، وأما الأديب التراكمي فهو الذي يتطور إبداعه نتيجة لتراكم خبرته بسبب المطالعة والمراقبة، فتنصقل موهبته وتتعمق أفكاره ومضامينه وتتطور أدواته وأساليبه ويفاجئ في كل جديد فلا يبقى سجينا لإبداع واحد مهما كان. 

* قرأت كل ما أبدعه صديقي ناجي منذ باكورته الشعرية " البحث عن زمن آخر" عام 1978 حتى روايته الأخيرة  "حارة البومة" 2015 وبينهما حوالي أربعين منجزا إبداعيا، وأذكر أني كنت أعلق على كتبه في أثناء عملي محررا في مجلتي الشرق ومشاوير.. إن هذه القراءة المواكبة زمنيا لإبداعه، جعلتني أجزم بأن أديبنا وخاصة في القصة القصيرة هو أديب تراكمي وليس شهابيا، وهو بهذا قريب جدا من الشاعر محمود درويش الذي قال مرة وكل ما قاله مهم جدا " أعدكم أن لا أكتب أسوأ مما كتبت إلا أذا أصابني الجنون، أو اعتقدت أن السيء هو الجيد".

هذه العلاقة اليومية مع كتب الأدب كما وكيفا، جعلته بمثابة الضيف في حرم الابداع الصافي وليس الضيفن، فاحترمه الجميع وبكفاءة وجد المكان والمكانة، وإن بدأ قاصا وكاتبا للمقالة الادبية فالشعر،  لكنه عُرف أكثر بقاص جيد، يكتب القصة القصيرة الفنية ولا يكتب الحكاية وهي أكثر ما نقرأه حاليا في مختلف المنابر الورقية والرقمية بتعريف من كاتبها على أنها حكاية، وإن كانت الحكاية  هي هيكل القصة وكل سرد قصصي. وكتاب القصة هم قلة مقارنة بكتاب الحكاية في أدبنا المحلي.

من مميزات قصص ناجي ظاهر: 
- إنه نجح في صهر العلاقة بين معاناته الخاصة ومعاناة مجتمعه العامة، ومنها تماسا وتداخلا مع البعد الانساني التقدمي، في اسلوب فني متدفق وهادئ، ولم يرتد عباءة  التعبير الخطابي الوعظي الأخلاقي الوطني أو الاجتماعي. ويرتفع السؤال: هل ناجي ظاهر يكتب في قصصه عن ناجي ظاهر؟ إنه يفعل ذلك كثيرا بنجاح وذكاء.

- إنه نجح في الارتقاء بالحدث اليومي العادي والبسيط والمألوف إلى مصاف الإبداع القصصي، كما نزار قباني ومحمود درويش في الشعر.  

-  إنه اهتم  بعنصر المكان بصفاته العديدة (المفتوح والمغلق، العام والخاص، الثابت والمتحرك) وحوله إلى شخصية فاعلة إلى حد ما كباقي الشخصيات، وليس وعاءً لأحداث الحكاية . 

-  إنه يستفيد كثيرا من تقنيات الكتابة الشائقة والجاذبة مثل: الاسترجاع ونظام التفجية والالتفات والتناص والإشارة والرمز والأليغورية وغيرها. فهو من أبرز كتاب القصة التجريبيين.

-   يميل الى  التفصيل التصويري والغور في عتمات النفس البشرية، فيرتدي بعضها صفة القصة النفسية.  

-  إنه يختار عناوين نصوصه ومجموعاته بذكاء وترو.. فلو تبصرنا قليلا في سيميائية عنوان كتابه " البحث عن زمن آخر" لوجدناه مفتوحا على العديدة من الدلالات التي تتجاوز الدرجة المباشرة إلى المجاورة وإلى المغايرة ، وكما يقول النقد " العنوان هو عتبة النص الأولى" ولا يضعه الكاتب مصادفة أو اعتباطا، وهو اللقاء الأخير والأول في الوقت نفسه، الأخير بالنسبة للكاتب وفيه تقييم نقدي واع، وهو الأول للقارئ وفيه تقييم انطباعي في درجة وعي أقل.

البحث عن زمن آخر: عنوان يتكون من ثلاثة معطيات تركب جملة ناقصة لأنها مفتوحة الدلالات. البحث كلمة معرفة بأل التعريف وليس بحث وتعني الوعي والقصد في البحث، عن زمن آخر، عن زمن منشود لأن الكاتب غير راض عن زمنه الموجود، لأنه لا يلائمه وينتقص منه ومن مجتمعه ولا يستطيع أن يتحمله، فيبحث عن زمن آخر عن بديل موضوعي لزمنه الموجود، ليعيش فيه ويحتمل الحياة .

وهنا يجيب العنوان عن سؤال أدبي فلسفي أبدي وهو: ما هي وظيفة الأدب؟ إنها كما قال جونسون: " هي خلق معادلة أخرى للحياة لنستطيع أن نحسن الاستمتاع بها، أو نحسن تحملها ". 

* كلمة الكاتب محمد علي سعيد، ابن مدينة طمرة، في حفل تكريم الكاتب الاديب ناجي ظاهر. اقيم الاحتفال في مركز محمود درويش الثقافي البلدي في مدينة الناصرة يوم السبت 7-2-2015، بمبادرة رابطة نور الامل. حضره جمهور حاشد من الادباء ومحبي الادب وتحدث فيها عدد من الكتاب والادباء.




الكاتب ناجي ظاهر

لمزيد من الاخبار المحلية اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق