اغلاق

أرواحنا تبحث عن قصتها، بقلم: ياسمين أبو الهيجاء

منذ فورة شبابي، وأنا أؤمن بأن كل انسان على وجه البسيطة يشكل عالما قائما بذاته. له بصمة فريدة، نبرة صوت خاصة، ملامح جسدية محددة، سيمات وراثية معينة،


الصورة للتوضيح فقط 

وشخصية بلورها بفعل صفاته الموهوبة والمكتسبة. اذا، لن تجد شخصين يحملان ذات الصفات الخُلقية والخَلقية. وحتى بين التوائم تستطيع ان تميز فروقا، وان قلّت.

 الا انني حين يفعت وبدأت أدخل في طور الرشد، تغيرت نظرتي للفروق والاختلافات التي كنيّتها بـــــالعوالم القائمة بذاتها، فأمسى الناس برغم اختلافهم متشابهين. طغت الفطرة على كل الفروق، وتلاشت معها كل المميزات. بفطرتنا نحب الخير ونكره الشر، نسعد اذا ما قمنا بعمل صائب ونحزن اذا ما هممنا بفعل شائن، لنا قدرة عجيبة في تمييز الخبيث من الطيب، فحتى الطفل الذي لم يبلغ الحلم بعد يستطيع ان يترجم لك نظرتك ويقرأ ما يمليه وجهك.

ليست الفطرة وحدها من تجمعنا، بل الزمن أيضا. فنحن نحيا وفق معايير واضحة تخص زماننا أبدا لم تكن قبلنا. ففي القرن الواحد والعشرين مثلًا، نولد مع مسهلات ولادة تخفف من آلام أمهاتنا وتؤثر فينا حاضرا ومستقبلا. نرضع من قنينة تحوي حليبا بديلا مُصنَعا تحملها أم بديله مصطنعة. نتقيد سنتان ونصف بحفاظة حاصرة، لم يكن لها فيما مضى حتى السنة والنصف دورًا. لا نعرف من الألعاب الا ألعاب الحاسوب أو ألعاب "الآيباد"و "الآيفون" أو ألعاب تعليمية تركيبية عن حروف وأرقام عربية وأعجمية. وإن أردنا اللعب خارجا فساحة البيت التى لا تمتد أكثر من ثلاثة أمتار تكفينا، أو علينا أن نكتفي بها. من السابعة وحتى الثامنة عشر علينا أن نواظب على مدارس تُعلمنا كل شيء الا الحياة! فيها نتعلم اللغات ولا نتكلمها، نحفظ التاريخ ولا نفهم مجرياته، نحل المعادلات الرياضية ولا نتقن الحساب في معاملاتنا التجارية، نتعلم الكثير من العلوم النظرية ونغفل عن الكثير من العلوم التطبيقية...

رغم اختلاف أشكالنا إلا أن عقائدنا ومبادءنا تكاد تكون مشتركة. فقد نشأنا على حب رسوم كرتونية، أفلام ومسلسلات عربية وغربية تزرع فينا الاخلاق العصرية، تصور لنا المرأة الناجحة جميلة، مثيرة وموظفة تدر المال لا الحليب! تصور لنا الحب غاية للحياة أو سببا للموت! تصور لنا الحياء والعفاف والتُقى سنن من سنن الأولين غابت في دياجير الزمن! تصور لنا النزاهة والأمانة والشرف كأنجح مقومات الفشـــــل!.

أحلامنا تنحصر بالإلتحاق بجامعة مرموقة والتخصص بمجال يمنحنا وظيفة مستقرة يحترمها المجتمع ويزداد بها حسابنا المصرفي، ومن ثم الزواج من حسناء، ولو كان حسنها مساحيقا، عدسات لاصقة، رموشا اصطناعية، أسنانا مقومة، شعرا مكويا وعمليات شفط، ربط، شد، ترقيع وتجميــــــل! 

حياتنا تفتقد الحيــاة، أمسينا كالجثث الهائمة التي تمتص المال أينما وُجد. وأرواحنا تبحث عن قصتها بصمت لا يلحظها فيه أحد...

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
نلفت انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
panet@panet.co.il .

لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق