اغلاق

قصة صيد، بقلم : فؤاد سليمان

خلال ساعة ونصف من سواقة التويوتا حيث بجانبي جلست زوجتي بتينا، وصلنا ألى يافا تل-أبيب. أستقبلنا السيد محمد مشهراوي في بيته بيافا حيث جلسنا حول،

 
 فؤاد سليمان

 مائدة الطعام الشهي من الحمام والملوخيه والرز, من تحضير أم محمد وأخته.

بعد الطعام جلسنا حول القهوة والسجائر والبطيخ حين قام محمد بقص قصصه المتعلقة بصيد الأسماك, أنه صياد أسماك محترف ولديه مركب في ميناء يافا. "يوجد مواسم للصيد" شرح لي محمد, وفسر لي أن موسم الشتاء هو أفضل موسم لصيد الاسماك في منطقتنا, وبعدها يأتي الربيع فبالربيع أيضا تتواجد أسماك عديده, أما في الصيف والخريف فالأسماك أقل. أني لي تجربة بالصيد ولاكن ليس بالصيد المحترف فخلال حديثنا عن الصيد قمت بعد أنواع الأسماك التي أعرفها مثل اللقص, الفريدن, السرغوس, الحداد, المنورن, الأنتياس, المصقار, القرق, المليطة وغيرها, وبالفعل فقام عبد الله وهو أبن محمد بالقول "تبدو أنك صياد بنفسك".

روى لي محمد أن أحيانا يحالفه الحظ, فيوما قد أصطاد سمكة لقص وزنها أربعة وعشرون كيلو, كما وسمكة أنتياس وزنها سبعة عشر كيلو. أما المشكلة شرح لي محمد هي أن السمك في بحار بلادنا يقل سنة تلو سنة, وذلك بالأساس بسبب الاصطياد الزائد عن الزوم, فان ذوي الشباك يصغرون مساحة الثقوب في شباكهم فيصطادون حتى الأسماك الصغيرة جدا, مانعين من إمكانيتها بأن تنضج وتتكاثر. مشكلة الصيد الزائد على اللزوم هي مشكلة عالمية وهنالك قوانين حكومية تمنع تصغير الثقوب بالشباك أقل عن مساحة معينة, وذلك حتى تتمكن الأسماك من التكاثر, وحتى يتمكن الصيادين بأن يحصلوا على معيشتهم وعلى الكفاية من الأسماك خلال عملهم في صيد الأسماك. مع ذلك, فان العديد من الصيادين لا يحسبون أمر هذا القانون ويصغرون مساحة الثقوب بالشباك ويصطادون ويبيعون الأسماك الصغيرة جدا. أريد هنا أن أذكر أن هذه الظاهرة معروفة بعلم النفس الاجتماعي وتتلخص بأن العديد من الناس قد يفضلوا مصلحتهم الشخصية عن مصلحة المجتمع, فيقرروا بأن يربحوا أنفسهم وأن يسببوا الضرر للمجتمع مع علمهم بأنهم جزء لا يتجزأ من المجتمع وبأن أي ضرر للمجتمع يكون ضرر لهم أيضا. بما أن في هذه الحالة الضرر للمجتمع والذي يتجسد بأن الأسماك تقل سنة تلو سنة, هو ضرر نسبي وليس كامل, فهؤلاء الصيادين يقرروا أن يصطادوا السمك الصغير جدا وأن يضروا المجتمع لكي يكسبوا شيئا لأنفسهم.

خلال حديثي مع محمد الصياد تلك الأمسية, فهمت أن العمل في البحر له خطورة معينة
فقد روى لي أن ذات يوم سافر مع شركائه لنصب الشباك في البحر العميق, فهبت عليهم موجة غدارة والتي رفعت المركب حوالي ثلاثون متر, فقفز من المركب الى البحر شركاء محمد من الصدمة, حيث بقي محمد وحده صامدا على المركب. أما القصة الأكثر غرابة التي قصها لي محمد خلال حديثنا هي أنه أحيانا خلال أبحاره يجد جثث أموات طائشة على الأمواج, فيتصل حينها لشرطة البحار, والتي تبعث مركب شرطة, والذي يأتي خلال ثلاث دقائق لالتقاط الجثة وأجراء الفحوصات لتحديد هوية المرحوم.

أن محمد مشهراوي يبيع الأسماك للتجار والزوار وأصحاب المسامك, ويعيش مع عائلته في أحدى بيوت يافا العربية, حيث تتدفق الأجواء العائلية, فهنالك الأطفال الذين يلهوا ويلعبوا في الساحة, الأم والأخت والأخ يشربوا القهوة, ومحمد يتحدث مع أبته عبد الله , والتلفون الخلوي يرن في الخلفية, وأولاد الحارة يلعبوا في الشارع. أحسست بالراحة والسعادة خلال زيارتنا هذه ليافا, كما وبتينا زوجتي أدهشتهم في قدرتها بتكلم اللغة العربية.

بما أن محمد عربي, فقد فهمت منه أن كثيرا ما تتم شرطة البحر بإيقافه بحثا عن الهويات والرخص, فأنه مثل أي عربي آخر في هذه الدولة يعاني من عنصرية المؤسسات الحكومية تجاهه, وذلك بالرغم من تعاونه مع شرطه البحر حين يعثر على جثث أموات طائشة على الأمواج. فان هذا هو قدرنا كأقلية في هذه الدولة العنصرية.

 بعد لقائنا مع محمد وعائلته في يافا, ركبنا التويوتا وسافرنا باتجاه حيفا, فبدأت أتخيل نفسي أبحر في مركب بدلا من أن أقود سيارة, فلا شك أن هنالك شيء ساحر ورومنسي بكل ما يتعلق في البحر, الأبحار, الصيد, والأمواج. حين عدت الى حيفا, جلست أمام حاسوبي, ووضعت أغنية "يا بحرية هيلا هيلا" والتي تقول "شدوا الهمة الهمة قوية" وأشعلت سيجارة وقلت لنفسي "أن اليوم تعلمت عن البحر من صياد".

انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان
panet@panet.co.il.


لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اقرا ايضا في هذا السياق:
اغلاق