اغلاق

إذا قلّ مالي، بقلم: نديم إبريق- أبو سنان

أعلنت عقارب الساعة عن تمام الساعة السادسة مساء، فأسرعتُ بارتداء ملابسي، لكي لا أتأخر عن الموعد الذي انتظرته منذ ساعات الصباح،


الصورة للتوضيح فقط

بل منذ أيام عدة . هاتفتُ صديقي " أبو المجد " وأبلغتهُ بأنني سأكون عنده بعد خمس دقائق ، بإذن الله. انتظرني صديقي خارج بيته وارتجلنا باتجاه القاعة التي سيُقام فيها الحفل . لقد اخبرتُ صديقي منذ ساعات الصباح بأنه من الأفضل التوجه إلى القاعة سيرًا على الأقدام ، متوقعًا بان لا نجد موقفًا شاغرًا بسبب كثرة المدعوين المشاركين في الحفل ، وفعلا صدقَ حدسي ، فقد امتلأت الشوارع المحاذية للقاعة بالسيارات...

شققنا طريقنا إلى داخل القاعة ووجدنا بصعوبة مجلسًا في آخر القاعة ، لأن القاعة غصت بالمدعوين . فاتني أن أذكر بان هذا الحفل لم يكن حفلا عاديًا – فهو حفل تأبين لأحدى الشخصيات الهامة في مدينتنا ، والذي وافته المنية قبل مدة.
بدأ الحفل الذي حضرهُ معارف الفقيد وأقرباؤه وأصدقاؤه من مدينتنا وخارجها ، حيث رثى عريف الحفل الفقيد وذكر مناقبه ، مُنوهًا إلى عظيم الخسارة لفقدانه ، ومن ثم تلاهُ في الحديث ركبٌ من الخطباء ، الذين انتقوا أجمل العبارات وأكثرها بلاغة من أجل ذكر  خصال المرحوم ، مؤكدين على دماثة أخلاقه وحُسن سيرته وحبه للعطاء و...
تطايرت كلمات المديح والرثاء والثناء في سماء القاعة ، وبدون أن أدري أخذني تفكيري إلى الماضي القريب ، وأخذتُ أتذكر ما حلّ بالمرحوم في الفترة الأخيرة . فقد كان المغفور له ، وبالفعل ، رمزًا للجود وللسخاء وللكرم ، فساعد القريب والبعيد ، مدًّ يد العون للمعارف وللأصدقاء ، ولم يبخل بعطائه على الأقرباء . لم يصدّ  ابدًا سائلا ولم يسدّ الطريق أمام من طرقَ بابه طالبًا المساعدة ، حتى أطلق عليه أهل مدينتنا لقب " أبو حاتم " ، مع ان ابنه  البكر لم يُدعى حاتمًا...

لكن ...
وضع "ابي حاتم " المادي تدهور في الآونة الأخيرة ، وتراكمت عليه الديون . توجه  " أبو حاتم " إلى المعارف والأصدقاء طالبًا المساعدة ، متوسلا أن ينقذوه من هذا المأزق المادي ، واعدًا أن يعيد هذه الديون عندما يتحسن الوضع ، فلم يجد مساعدًا ولا نصيرًا ... لقد انفض عنه الجميع  ، باحثين عن شجرة أخرى تكسيها الأوراق ليتظللوا بظلها ، أما هو فقد أصبح كالشجرة العارية  التي تساقطت أوراقها في فصل الخريف ، فلا ظل يرجى منها ولا ثمر ...
واجه " أبو حاتم " بسبب هذه الأزمة حالة نفسية صعبة ، متذكرًا بألمٍ وبحسرةٍ الأيام الغابرة ... أخذ يتذكر الأيام السالفة حينما كان يطلب من زوجته أن تعدّ أفضل وأجود وأفخر طاولات الطعام ، والتي دعا إليها " الاصدقاء و " الأصحاب " ، تذكّر الرحلات إلى خارج البلاد ، والتي كان يشاركه فيها رفاقه ، فكان يتكفل بجميع تكاليف السفر ، تذكّر السهرات وتذكّر وتذكّر ...
تدهورت حالة " أبي حاتم " النفسيّة ، وانعكس ذلك أيضًا على حالته الصحيّة ، والتي ساءت جدًا خلال فترة زمنيّة قصيرة ، ولم يستطع فؤاده تحمل ما رأت عيناه من نكران للجميل وغدرٍ وخيانةٍ - فأودع الروح إلى بارئِها...
- قُمْ يا صديقي ، قُمْ ، ما بك ؟! لقد انتهى الحفل ... خاطبني أبو مجد.
- لا شيء  يا صديقي ، لا شيء ، فقط "حسدتُ  " أبي حاتم " على هذا الكم من المعارف والأصدقاء و "حسدته " على كلمات الثناء والإطراء التي سمعتها... هيا بنا يا عزيزي ، هيا...

بدأنا بمغادرة  القاعة التي سيطرت عليها السكينة واجتاحها الهدوء ، وقبل أن أخرج نظرت إلى صورة كبيرة " لأبي حاتم " وُضِعت في مركز القاعة . بدون أن أشعر ابتعدتُ عن صديقي " أبو مجد "واقتربتُ من الصورة . دققتُ النظر في عينيه وبدأتُ ألفظ كلمات لم يفهمها سواه :

إذا قلّ مالي فما خلٌ يصاحبني
وفي السيادةِ كل الناسِ خلاني
فكم عدو لأجل المال صادقني
وكم من صديقٍ لفقد المال عاداني...

انتباه كتبة المقالات الكرام ، انه ولاسباب مهنية مفهومة فان موقع بانيت لا يسمح لنفسه ان ينشر لكُتاب ، مقالات تظهر في وسائل اعلام محلية ، قبل او بعد النشر في بانيت . هذا على غرار المتبع في صحفنا المحلية . ويستثنى من ذلك أي اتفاق اخر مع الكاتب سلفا بموافقة التحرير.
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان
panet@panet.co.il .

لمزيد من زاوية مقالات اضغط هنا

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اغلاق