اغلاق

مارسيل خليفة في بروكسل.. يغني لأجل قيس وليلى وللأندلس

تمر الأيام ولا يشفى مارسيل خليفة من حب ريتا والبندقية مثلما لم يشف صاحبها محمود من حب تونس ، لكن حنينه عاد بعيدا حتى وصل لزمان الوصل في الأندلس


سهير منير من يافا برفقة مرسيل خليفة في بروكسل

يوم أخذ وأعطى العرب مع الحضارة الإنسانية وأثروها.
جاء مارسيل من بيروت إلى بروكسل المحاصرة بخوفها فأنعشها وبعث الحياة فيها مثلما أنعش نحو ألفين من محبيه العرب والأجانب في احتفالية مدهشة. أعادني مارسيل خليفة في احتفاليته الأخيرة عشرين عاما وأكثر لسنوات كانت فيها الهمة قوية، بأغان تحرض الروح على الحياة والحب وتزرع نعناع الأمل في نفوس الناس.  داخل قصر الفنون الجميلة " بوزار " في بروكسل أحيى الفنان ملك العود مارسيل خليفة برفقة الأوركسترا الوطنية البلجيكية (بمناسبة 55 عاما على تأسيسها) احتفالية كبيرة ضمن أول تعاون بينهما متحديا الخوف والترهيب مقدما صورة رائعة عن العرب في زمن التحريض السريع عليهم. مرت السنون ولم تمر فمارسيل خليفة ما زال منذ عقود يتمسك بعوده وأنامله وأحلامه ويطوف الدنيا مبشرا بأمل النهوض. يتجول غير مبال بحقيبة سفر، بيده قصفة زيتون منشدا للقلب الأحمر والعوسج،  للحرية وللعدل بين الناس وللحب. ولا يقبل بأقل من حرية بلبل أو حسّون يرفرف شاديا على غصن ليمونة في يافا أو صقر يحلق في سماء الكرمل بل هو غيمة في سماء الكون تهبط متى وأينما تشاء.

قيس وليلى
انهارت عوالم كثيرة وتغيرت الدنيا وباتت تعرض جلها للبيع والشراء لكن مارسيل ما زال يقاوم ولا يساوم فقصيدته لوحة يمتزج بها حب الحبيبة وحب الأم والوطن وكل ما هو منير وجميل. ويختار مارسيل ألا يهرب من ذاته بسبب الزمن العربي الرديئ متمسكا بجمرة الحلم والرجاء فذكر جمهوره بأن العرب أوجدوا الحب الموثق في قصيدتهم وقال إن حب قيس وليلى سبق حب روميو وجولييت. ولذا اختار مارسيل أن يفتتح الاحتفالية ( بالعربية والفرنسية) في قاعة  بالشكر على الإصغاء الجميل والمجيئ  لهنا للقول بلهجته اللبنانية "  كمان نحنا شعب بهذا الظرف الصعب منعرف نعمل موسيقى ومنعرف نحب. ومش كل ما دق الكوز بالجرة بكون الحق على العرب، لا. ما عملته اليوم هو كونسيرت " الأندلس " الذي " يذكر  بتلك الحقبة الجميلة اللي العرب عملوا فيها نهضة استثنائية  وبتأمل نقوم من كبوتنا ". القاعة المكتظة بالعرب والأجانب من كل الدنيا هاجت تصفيقا وصفيرا مجددا وهو يوضح أنه يستهل الاحتفالية  بمقطوعة بعنوان " صباح الليل " التي استخدم فيها  كل  الإيقاعات  وفيه "  كثير شمس وبحر وسما زرقاء... بلكي تكشح الغيوم عنكم  وتشوفوا أكثر شمس ".

كونسيرت الأندلس
اختار مارسيل أن يبدأ كونسيرت الأندلس بمعزوفات قمة برقتها ودقتها مزجت الشرق والغرب، تحاكي الروح وتدغدغ الوجدان وكأنك على حافة ينبوع وسط  بستان في نيسان يتدفق حياة فتسري بك مشاعر التأمل وتسكنك السكينة. هذا بفضل أوركسترا مكونة من ثمانين عازف بينهم ابنه رامي،انسجموا كانسجام أصابع اليدين بإيحاء مايسترو أشبه بالساحر فحملوا الجمهور على بساط الريح ليحلق سوية معهم فوق الغيمات فيما كانت أوتار مارسيل على العود كافية لأن تملأ القلب دفئا وحبا وحنينا وهو يخاطب " نسيم الريح".

فيه العوسج فيه الريحان
وما أن بدأ مارسيل ينشد ويمطر حبا وينثر ياسمينا وريحان في ملحمة فنية جديدة تبدد برد بروكسيل في كانون حتى كاد الجمهور أن يطير انفعالا وطربا  في لحظة تسامي بلغت ذروتها في " منتصب القامة أمشي ". ومنح هذا الفنان الكبير أغنية " جواز سفر " هدية  لكل اللاجئين السوريين، الفلسطينيين والعراقيين وكلهم ". وهذه بداية عودته لأغانيه الأولى التي كبرت معها وعليها أجيال وأثّرت في وعيها وشحنت الثوار والمناضلين من أجل الحرية والحياة بالطاقات. وحن مارسيل لخبز أمه وللمستها وقهوتها في الصباح واستعاد طفولته على صدرها فغالبته الدمعة وأدمع السامعين. وازدادت قصيدة محمود هذه إنسانية وتساميا وجمالية بصوت هذا الفنان اللبناني العربي العالمي الذي أحب فلسطين وأخلص لها فعشقته وأخلصت له.

لا يشفى من حب فلسطين
فعلا كبرت في مارسيل الطفولة وكبر معها حبه لها وبقي صبيا  إلى أبد الآبدين بحب لا يقل عن حبه لحبيبته الأولى فهو لا يشفى من حب فلسطين مثلما لم يشف توأم روحه محمود من حب تونس.
وتجلى الوجه الإنساني الكوني لمارسيل عندما غنى مئات الأجانب وحدهم في القاعة وبناء على طلبه " يا بحرية هيلا هيلا " وهي أغنية قدم لها هذه المرة بتوزيع موسيقي جديد وساحر بانسياب وشبابية نغماته. ثم صاح " أيوب " مجددا ملء السماء وبعد هدير " يا بحرية " عاد وغنى بـ " رواق " لريتا والبندقية أغنية أغاني الحب بإحساس ورفق وجمال عيون ريتا العسلية إحساس يليق بمعشوقة محمود أيام شبابه في شقيقة بيروت، حيفا.  مارسيل الذي قدم باقة من أغاني قديمة وجديدة من تأليفه وألحانه أعاد الحياة لبروكسيل غنى " انهض يا ثائر ". وأكد في حديث خاص إن زيارته فيها تحد للإرهاب بالإيقاع وحب الحياة والفرح والأمل. مشددا على أنه يساهم بالخلاص من هذه  الواقع الراهن الرديئ بالفن والموسيقى، والشعر، والأدب. وأضاف " ولعل إقامة هذا الحفل في بروكسل وفي ظل هذه الظروف بالذات، هو انتصار بحد ذاته لقضيتنا ".
واختتمت الاحتفالية بوصلة للجمهور الذي ملأ القاعة في " بص وشوف مارسيل بيعمل إيه "  فودعهم برسالته " شدوا الهمة " وغمروه بالحب  والتصفيق. جئنا لبروكسيل ظمأى لسماع ملك العود فغادرنا القاعة الفخمة ونحن عطشى له من جديد على أمل اللقاء مجددا بهذا الملاك الموسيقي.
( تقرير : سهير سلمان منير )





لمزيد من الاخبار المحلية اضغط هنا


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من فن من العالم العربي اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
فن من العالم العربي
اغلاق