اغلاق

مقال | فليحول العالم رمضان الى منظومة أخلاقية دائمة

أمام تصاعد الأزمات والخلافات، اقتصادية كانت ام عسكرية ام سياسية في مناطق واسعة في العالم، امتدت من الشرق الأوسط بما فيه من حروب في اليمن وسوريا،


المحامي زكي كمال

وتوتر يُنْذِرُ بالانفجار بين إيران وإسرائيل، وخلافات حامية بين مصر والسودان واثيوبيا حول سد النهضة ومياه النيل، وتوتر دائم يتكرر بين روسيا وأوكرانيا، وحرب اقتصادية بين الصين وامريكا، ووسط حالة من العنف السياسي والجنائي المستشري قطرياً عامة ومحلية خاصة، نجد أنفسنا في المجتمع العربي والبلاد والعالم امام واقع جديد لم يكن مفاجئاً او غير متوقع، بل ان معالمه بأبعاده المحلية والدولية كانت واضحة وجلية وآخذة بالتشكل منذ سنوات، لتزداد وتيرة تبلورها في السنوات الأخيرة، واقع يعني أننا امام حالة تعكس أزمة خطيرة  في المنظومات القيمية المختلفة والمتعددة التي تحكم العلاقات بين البشر، وتشمل العلاقات بين الدول والشعوب والجماعات والأفراد من مختلف الشعوب والأعراق وفي مختلف الاماكن.

" أمر ليس جديدا "
الأمر ليس بجديد فالعالم وعلى مدار القرون والأزمان شهد أزمات سياسية وقيمية تصبح فيها القوانين والقيم المعتادة للسياسة غير قابلة للتطبيق ولا تسير الأعمال كالمعتاد، وعندها يحتاج السياسيون والأحزاب السياسية وممثلو الحكومة والمنتخبون والناشطون الاجتماعيون والأكاديميون الباحثون وغيرهم الى مجموعة مختلفة من القيم والمهارات وتنشأ لديهم مسؤوليات مختلفة خلال الأزمة، لكن الجديد والخطير في الأمر أن الأزمة القيمية بل وانعدام الضوابط الواضحة السياسية والاجتماعية والإنسانية أصبح السمة السائدة والجامعة، وقوامها تعظيم وتضخيم العداوات والنزاعات واتباع القوة المفرطة والاهتمام بالذات والمصلحة الفردية والسعي الى " إنجازات آنية وسريعة بل وفورية " احياناً تعكسها بأبهى صورها " معركة ما بين المعارك " بين إسرائيل وايران واحتدام صراع النفوذ والاقتصاد بين أمريكا وبين روسيا والصين من جهة أخرى، وازدياد محاولات الدول التدخل في حياة دول أخرى لأسباب لا علاقة لها بالسياسة او العلاقات الدولية كما تنعكس محلياً بارتفاع وتيرة العنف والقتل لأتفه الأسباب بل ودون أسباب اللهم الرغبة " الآنية بأخذ الثأر وتلقين الطرف الاخر درساً لا ينساه لإرضاء مشاعر انتقام وغضب عارمة وبشكل فوري وسريع ".
لم يعد خافياً أن الأزمة القيمية التي يعيشها العالم ويعشيها مجتمعنا مردها العمل وفق مبدأ الهيمنة والقيادة، الذي كان لسنوات أبرز معالم النظام العالمي والمحلي فتصارعت عليهما الدول والقوى العظمى المتحكمة في مجريات الأحداث العالمية والقطرية والمحلية، علماً ان صفات هذا المبدأ هي تقديس وتكريس القوة واستخدامها  وعدم الاهتمام بالنتائج  وتجاهل الأضرار التي تلحق بالغير باعتبار انه يستحق ما واجهه من مصير بل وعدم الاكتراث بما يحصل للغير طالما كان هذا يخدم مصلحة الطرف القوي ما يؤكد  إن عالمنا المعاصر عاكف على نفسه قد اكتفى معظم الخلق بشؤونهم وتوارى الاهتمام بضعفاء الناس خلف حجج واهية، ما يقود الى النقاش يحتدم حول الأمور الكفيلة والشروط الأساسية التي يجب ان تتوفر ليشهد العالم ونحن في المجتمع العربي في البلاد جزءٌ لا يتجزأ منه، تغييرا في منظومة القيم والسيطرة والتحكم.

" أسئلة وتساؤلات كثيرة "
أسئلة وتساؤلات كثيرة تثار بشكل دائم وازدادت حدة في العام الأخير وعلى ضوء ازمة الكورونا لكنها تتعاظم في الأيام الاخيرة، بكل ما تحمله من علامات التوتر والقلق والتخوف من استفحال يصل حد فقدان السيطرة سواء كان ذلك في مجال الخلافات والنزاعات الدولية ( إسرائيل وايران مثلا او مصر واثيوبيا) التي تهدد بفقدان الامن والآمان او وبوتيرة اقوى على صعيد احداث القتل والعنف ومظاهر الإجرام التي يعانيها مجتمعنا العربي والتي تؤكد فقدان الأمن والامان الشخصي وسيطرة الخوف والرعب وفوضى السلاح والرصاص والعنف والقتل بدلاً من لغة الحوار والتسامح والصبر وغياب التكافل الاجتماعي والهم الجمعي ليحل محله الاهتمام بالذات .
ما سبق يتزامن مع الايام الاولى من شهر رمضان الفضيل وبالتالي يدفع الى الحديث عن المنظومة القيمية والأخلاقية والإنسانية الواضحة التي يمثلها شهر رمضان بأبعاده ومعانيه الواسعة والجمعية التي تجعل من هذا الشهر بعباداته وفرائضه وقيمته وحقيقته الإنسانية الواسعة والعميقة ثورة على مألوف العادات، وتأهيل للإنسان ليواجه نفسه ويكون حراً من أن تتحكم فيه عادة لا يستطيع الفكاك منها ( مراجعة الذات ومحاسبتها والبدء بتغيير الذات اولاً)، فرمضان هو منظومة قيمية واخلاقية كان من الأولى ان تسود العالم طيلة العام قوامها انه شهر صوم وعبادة لكن الصوم  الذي نريده ان يسود العالم كمنظومة تحكم تصرفاته وسلوكه هو ليس الصوم جوعًا أو عطشًا، بل هو إمساك عن الأهواء، وسيطرة على الانفعالات ( وقف الإساءات المتبادلة بين الناس ولأتفه الاسباب)، وتوجيه للحاجات ( استثمار في حياة الإنسان ورفاهيته والتعليم والعمل والتجارة والتطور بدلاً من شراء الأسلحة والمفرقعات وغيرها من أدوات الضرر والخراب والعنف)، فلا فحش في القول ( استمرار تراشق التهم بين الأحزاب العربية رغم انتهاء الانتخابات واستمرار التهجمات المتبادلة بين الدول في العالم والمنطقة)، ولا غضب على أحد، بل سيطرة على النفس، ومبادلة الإساءة بالحسنة، ومواجهة العدوان بالعفو( وقف الشجارات المتكررة في قرانا التي بكون معظمها بمثابة رد على الإساءة بالإساءة)، ولذا فإن الصيام الحقيقي هو صيام عن الرذائل الخلقية اما منظومته القيمية فهي مدرسة يتعلم فيها الإنسان وتتعلم فيه الدول  الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، وقوة الإرادة، وجهاد النفس، والامتناع عن أهم رغبات الجسد وحاجاته الضرورية، والاستقامة في معاملة الخلق، وإعادة تفعيل منظومة القيم الراقية في المجتمع ما يعني ان تغتسل فيه الدول والجماعات والأفراد كل من ذنوبه تجاه البشر وان يقوم بإصلاح  الحال والابتعاد عن الذنوب والخلافات بين الأفراد وبين الدول والشعوب، وان يقوم  كل منا بإصلاح ما ارتكبه من معصيه او ذنوب ليس فقط تجاه ربه بل باتجاه تجاه البشر .

" العالم بحاجة لقيم رمضان "
قيم شهر رمضان هي ما يحتاجه العالم وما نحتاجه جميعاً اليوم وعلى كافة الأصعدة وفي كافة المجالات بما فيه من قيم التسامح والصبر والتضامن والسلام والمحبة ودحر الظلم والظلام والابتعاد عن الشرور والصفح عن من اخطأ والسعي الى توطيد العلاقات ونبذ الخلافات وتعميق قيم التواصل والتكافل والعطاء الإنساني والاجتماعي في كل زاوية من زوايا العالم وكل بعد من أبعاد الحياة وصولاً الى حالة من السكينة والسلام  فهو شهر قيمه عظيمة، يشكل تبنيها فائدة عظيمة للإنسانية، فهي تحول الواقع والحياة اليومية الإيجابية والمتسامحة والمحبة والمتعاضدة الى نهج حياة يشمل التغاضي بدافع القوة والتحلي بالشجاعة الاخلاقية عن الإساءات ومنغصات الماضي والتغاضي أحياناً عما يلحقنا من الآخرين من إيذاء، تنازل نابع من قوة إيمان، ورغبة صادقة في طيب العيش والمقام في عالم ومجتمع تكون قيمه عالية وصفاته نبيلة وقيمة الإنسان فيه هي الأعلى بل انها القيمة الوحيدة، وهي قيم لو تبناها العالم  ستشكل منعطفاً هاماً في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية نحو التغيير الأفضل ونحو تحمل أعباء المسؤولية الاجتماعية والسياسية على الصعيدين المحلي والعالمي وهي إنقاذ لما يعانيه العالم والمجتمع من مشاكل وازمات قديمة وجديدة والتفكير في حلها بما يكفل السلم والأمن والحياة الهادئة بدل التذمر منها في احسن الحالات اوتعميقها وتصعيدها وتحويلها الى عنف وعداوات وضغينة في اسوأ الحالات، مع التأكيد على ان هذه القيم بصفائها ونقائها وجدواها وفاعليها لو اجدنا تبنيها وتنفيذها كفيلة بإحداث التغيير الحقيقي في مسيرة مجتمعنا والبلاد والعالم بحيث يقدم كل منا وكل فرد من افراد المجتمعات المختلفة ما يستطيع من خدمات وطاقات ومواهب وقدرات وامكانيات لتنصهر في النهاية كلها في بوتقة المجتمع والعالم وبناء الطريق امامه نحو نمو مجتمعي واجتماعي حقيقي في مختلف المجالات وبناء مجتمع متقدم ومتحضر وإحداث التغيير نحو الأفضل ما يضمن تحقيق الإنجازات الجماعية التي تعزز أجواء السلم العالمي والتكافل الدولي وتقاطع المصالح وتبعد التوترات وتسعى الى حلها سلماً بعيداً عن النزاعات والحروب والتوترات عالمياً وعن حالات القتل والعنف والمس بالأرواح والممتلكات محلياً وتعمل على صياغة منظومة قيم سياسية واخلاقية واجتماعية تجعل من مجتمعنا آمناً ومستقراً وتجعل من عالمنا مساحة للتعاون والعمل المشترك بدلاً من تحويله الى ساحة للنزاع والصراع والخلاف الدائم.

" العيش بسلام ووئام "
ما يحتاجه العالم وما نحتاجه نحن في هذه الأيام هو  قيم رمضان الداعية الى تكاتف الجهود لنشر وتعزيز قيم المحبة والتسامح في مواجهة ظواهر التعصب والكراهية والمغالاة في الخصام والغلو في التشفي والانتقام، لكن حاجتنا أكثر بل انها ملحة إلى أهل الحكمة والاعتدال القادرين على احتواء الخلافات وتلطيف الأجواء وإعلاء قيمة العقل ونبذ العنف والتوظيف السياسي العدائي للطائفية والدين والمذهب والحذر من محاولة الحاق الشر والأذى بالغير افراداً او دولاً، نحو خلق مجتمعات تتخلص من القيود التي تشده إلى الماضي على حساب الحاضر والمستقبل، تكون محصنة من امراض الكراهية والتعصب، مؤهلة  للتعايش مع نفسها ومع غيرها في العالم بسلام ووئام، تنتهج نهجاً لحل الخلافات وصياغة العلاقات  يقوم على الرأي والرأي الآخر وحرية المناقشة والفكر، وعلى حديث اللسان بدلاً من استلال الأسنان، وعلى خطاب سياسي جديد محلياً ، متصالح مع العصر ومنفتح على الآخر، يحتضن الإنسان لأنه مخلوق مكرم من قبل خالقه، وعلى خطاب دينيً مستنيرً يساهم في نهضة الدول والمجتمعات ويحمي من العنف  والفكر المتطرف والطائفية والمذهبية واغتنام شهر رمضان لإجراء المراجعة الشاملة للأوضاع المجتمعية، وذلك بتفعيل الحوار بين كافة مكونات وأطياف المجتمع وصولاً إلى إخضاع كافة المنظومات المجتمعية إلى عمليتي المراجعة والتقويم، بهدف تبين مواطن الخلل وتصحيحها، مصداقاً لقوله تعالى" إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ "،  انطلاقا من ان لرمضان قيمه التي تعطي الفرد والجماعة إمكانية صناعة المعاملة الصادقة والقدرة على البناء النفسي وتطوير مسيرة تهذيب النفس من خلال التقدم والتحسن والتعامل مع البشر بصورة راقية، ودعم النفس للتحول من عامل ردة فعل غريزية وعدائية ومتسرعة احياناً وخطيرة ومتهورة احياناً أخرى  إلى فعل بصورة إيجابية تحسن مصير الإنسان داخلا وخارجا.

" اعادة بناء النفوس "
قيم رمضان كفيلة أن تُعيد بناء النفوس، وان تجعل علاقات الدول أكثر تفاهماً واقل تصادماً وان تجعل الدول كافة أكثر قبولاً للأقليات وللآخر فيها وان تجعل هذه الاقليات وألآكثر تفهماً لطبيعة وقوانين وتعاليم الدول المضيفة لهم وان يبتعدوا عن انتهاج القوة والعنف والتقوقع، كما انها السبيل الى إنهاء الخلافات تفاهماً ناهيك عن حقن الدماء وصون الممتلكات وهو ما دعا اليه الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال في حجة الوداع:" إن دماءكم واموالكم واعراضكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذه في بلدكم هذا في شهركم هذا".
رمضان منظومة أخلاقية متكاملة تدعو الى السلم وتسعى الى التعاون والتكافل والتعاضد، وتحث على فعل الخير والدعوة اليه ونبذ العنف والتفرقة والدعوة الى الوحدة والتكاتف والى صون أواصر القرابة بين الناس والى تكريس قيمة الإنسان كقيمة عليا دينية واخلاقية تؤكدها   أحكام رمضان الفضيل التي تفرض الصوم وفي نفس الوقت تفرض صون الروح والحفاظ على الإنسان والحياة والصحة عبر اعتبار الصحة وحياة الانسان عاملاً اساسياً وقيمة عليا تعتبر سبباً مشروعاً للإفطار، خاصة اذا خشي المرء ان يؤدي الصيام إلى تفاقم المرض ، أو تأخير علاجه ، أو إلحاق الضرر بشيء من البدن ، فله عذر في الإفطار لأن الالتزام الأكبر هو الحفاظ على نفسه من الهلاك في أفضل إشارة الى ان حياة الانسان هي القيمة العليا..
ختاماً أقول: في رمضان معان وعبر فهل نريد فعلاً الاستفادة منها عبر جعلها منظومة تصرف ونهج حياة دائم.


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: 
bassam@panet.co.il .


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق