اغلاق

نقاط التقاطع ما بين الأمريكان والتتار | بقلم: محمد محاميد - يافا

إن تدوين التاريخ وكتابة احداثه من مزايا وصفات الامم العظيمة، فالشعوب الحيّة الطموحة تبذل مجهوداً كبيرا في تسجيل تاريخها دون أن تنتقص منه شيئاً تعلمه، فتسجل


محمد محاميد - صورة شخصية

ايجابياته حتى تتحقق الفائدة لأجيالها المعاصرة والمستقبلية من تجارب اسلافهم الناجحة في الماضي، فيسعى المعاصرون ومن سيخلفهم لنسخ هذه التجارب في واقع حياتهم وتطبيقها بانسجام تام مع كل مستجدات الحاضر بل وتعزيز التجارب السابقة وتطويرها إن وُجد لذلك سبيلا، وعلى الأمة اليقظة أن لا تغفل ابداً عن التجارب السلبية التي عصفت بأجدادها وعن مُسبباتها وكيفية مُعالجتها حتى يتحاشى المعاصرون تكرار الوقوع في ذات المستنقعات، وإن كانوا قد سقطوا فيها ليعرفوا سُبل الخروج منها...

فحياة الإنسان محدودة بسنين معدودة، فإذا لم يكترث هذا الإنسان لتجارب السابقين ولم يستخلص العبر منها وأخذ يجرب كل شيء بنفسه سينقضي أجله وسينعفي اثره من ادنى واقع الحياة دون أن يحقق تقدماً محسوساُ او نجاحاً ملموساً، ولو قام الإنسان بدراسة تجارب الآخرين السابقين منهم والمعاصرين لوفر لنفسه الجهد الكبير والعناء الكثير، والأمم تستوي بذلك مع الأفراد فإذا ما تعلمت من تجارب الماضي ستتعطل عجلة تقدمها وازدهارها وسينفذ وقتها في سنوات الضياع حيث يقول الشاعر:

اقرأ التاريخ إذ فيه العبر     ***     ضاع قوم ليس يدرون الخبر

فإن كل من يغوص ويسبح بين سطور مجلدات التاريخ يلاحظ التطابق الغريب والتشابه العجيب بين أحداث اليوم والأمس، حيث مكثتُ مؤخراً أبحث في التاريخ الإسلامي عن حقبة زمنية شابه فيها حال المسلمين حالهم في هذه الأيام العجاف، فما وجدتُ حالة تكاد تتطابق مع حالتنا في يومنا هذا بشكل كبير مثل حالة المسلمين في أوائل القرن السابع الهجري.

فكانت بلاد المسلمين تمتد على مساحات شاسعة للغاية، فحدودها الشرقية التصقت بالصين وحدودها الغربية طلت على المحيط الأطلسي، وكانت أعداد المسلمين في تلك الفترة هائلة جداً، وامتلك المسلمون الموارد المادية والطبيعية والثقافية الكثيرة، ولكنهم كانوا ضعفاء جداُ بسبب فرقتهم وتشرذمهم حيث أقيمت الإمارات والدُويّلات الصغيرة  التي رسمت الحدود السياسية بينها وأعلنت كل دُويّلة إستقلالها عن سائر المسلمين فاستبدلت راية التوحيد الخالدة بأعلام مُلوّنة تُميّزها بين الدول، واخذ حكام المسلمين يجندون جيوشاً لحماية عروشهم الوهمية ولقمع كل صوت يعارض ظلمهم وسوء سياساتهم، وانتشر الفساد في صفوف الشعوب والأنظمة الحاكمة، فانتشرت الفتن والمؤامرات وكثرت الحروب والنزاعات الداخلية بين المسلمين، وتعلقت الشعوب المسلمة بالدنيا وكثرت معاصيها وذنوبها وهانت الكبائر على قلوبها، فبات المسلمون لا يبالون من حوادث الظلم والقتل ولا يهبون لنُصرة إخوانهم المسلمين في المناطق الأخرى إذا واجهتهم الحروب وغزت بلادهم الجيوش، فصمت المسلمون صمتاُ مُخزيّاُ يوم اجتاحت قوات التتار بعض بلاد المسلمين وعاثوا فيها فساداً ونهبوا ثرواتها وشردوا سكانها، تماماُ كصمتهم المريب على الغزو الأمريكي والغربي لبلاد المسلمين، ولقد علمنا الإسلام:  "أن من كان هذا حاله فلا بد من استبداله بقوم يقول الله سبحانه وتعالى فيهم :}لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِن إِلًّا وَلَا ذِمَّة{  ]التوبة 10["، هؤلاء يبعثهم الله لإيقاظ المسلمين من غفلتهم وسباتهم العميق، فيقوم المسلمون من جديد بجبر كسرهم بجيل جديد يحمل لواء الإصلاح والتغيّير فيُعيد للأمة مجدها وللدين هيبته وللخلافة الإسلامية عزها ومجدها...

وكأن التاريخ يتكرر وتتطابق احداثه مع واقعنا
وكأن التاريخ يتكرر وتتطابق احداثه مع واقعنا، وما أشبه الليلة بالبارحة فليس هناك جديد على كوكبنا، حينما ساءت أحوال المسلمين وكثر الخبث فيهم، ظهرت فجأة على مسرح الأحداث دولة التتار بمنغوليا بشرق آسيا وأخذت تتسم هذه الدولة بالقوة الشديدة وتتميّز بالأطماع التوسعية ونهب ثروات وكنوز الشعوب من الذهب والفضة...، وكان التتار يحققون أهدافهم التوسعية بالحروب الوحشية الإبادية  القائمة على سفك الدماء والإجرام فما كان لتتار تاريخ يردعهم فكانوا دولة همجية لا تاريخ لها ولا حضارة، تماماً كالولايات المتحدة الامريكية التي لا تاريخ لها وقامت على السلب والإرهاب وعلى جماجم واشلاء مئات الالاف من الهنود الحمر أصحاب الأرض الاصليين، وظهرت فجأة على خارطة الأحداث وتميّزت بالقوة والاجرام بالإضافة للأطماع التوسعية الهادفة لنهب ثروات وكنوز الشعوب الأخرى كالبترول مثلا...

وليس الظهور المفاجئ لكلتا الدولتيّن هو عنصر التشابه الوحيد، وإنما هنالك عوامل أخرى كثيرة سأقوم بطرحها وتفصيلها...، فلكلا الطرفين "الامريكان والتتار" احلاما توسعية يدفعها الجشع والطمع، ولتحقيقها قام التتار ببناء جيش جرار وضخم جدا قياسا مع عصرهم وزودوا جيشهم بأحدث التقنيّات العسكرية وأكثرها فتكاً حتى يتسنى لهم احتلال الشعوب الأخرى ونهب ثرواتها بقوة السلاح والإرهاب، فبات يُعرف جيش التتار بأنه القوة العظمى التي لا طاقة بأحد بها، تماما كما تصنع ونسمع عن أمريكا اليوم، بل والأعجب من ذلك هو تلك الشعارات البرّاقة التي كان يحملها جنكيز خان ومن تبعه من خاقانات التتار، حيث كانوا قبل ان يحتلوا دولة يرّوجون الأكاذيب والحجج الواهية وكانوا يدعون أنهم قادمين لتحرير الشعوب من ظلم حُكامها ورفع الجور عنها وتحقيق العدالة التترية في بلادها، وإذا دخلوا بلداً احرقوها بنيران حقدهم وقتلوا أهلها ونهبوا زرعها، تماماً كأمريكا اليوم تغزو العالم بالتضليل والكذب فتارة تحتل الشعوب الأخرى تحت شعار تحقيق الديمقراطية وتحرير الشعوب وتارة أخرى تغزو البلاد بدعوى محاربة الإرهاب ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، وذلك لتزيّيف الحقائق وتزيّينها لتسكين الشعوب وتنويمها...

بل ويكاد جيش التتار يتشابه مع جيش الامريكان في عصرنا هذا، حيث كثرت عساكره وتسلح بأحدث التقنيات العسكرية وأكثرها فتكا على الاطلاق، بل كانت الشعوب تخشى خيول التتار!، تماما كما تخشى طائرات ودبابات امريكا اليوم، وتطابقت اخلاق التتار الحربية مع العقلية العسكرية الامريكية القائمة على اراقة الدم والارهاب، فكانوا يغزون كل من يقول لهم كفى ولا، وإذا دخلوا دولة قتلوا أهلها دون استثناء، فكانوا يقتلون الأطفال والشيوخ والعواجيز والنساء والعاجزين المعاقين تماما كما تصنع امريكا اليوم، وكان التتار يتحركون لغزو العالم مع مجموعة من الدول الحليفة الضعيفة كمملكة الكرج وارمينيا وإمارات اخرى كثيرة، تماماً كما يتحرك الجيش الامريكي اليوم مع حلفائه المؤتمنين الخاضعين له، وكان التتار ينفذون المجازر الوحشية بحق الناس فمن ينسى ماذا فعلوا ببخارى وسمرقند وغيرها من بلاد المسلمين التي قتلوا فيها الملايين ففي بغداد وحدها قتل التتار مليون مسلم، تماماً كجيش امريكا الذي برز بين الجيوش بوحشيته وارهابه بفيتنام وافغانستان والعراق، والقنبلة النووية التي القاها وابادت ناجازاكي وهيروشيما باليابان، فالتتار لم يغزوا فقط بلاد المسلمين انما ايضا غزوا شرق اسيا كله وامتد غزوهم ليطول شرق اوروبا كلها...

حقد على كل ما هو اسلامي
وتطابق سياسة الطرفين نحو التعامل مع الثقافة الإسلامية، فكلا الطرفان كان حاقد على كل ما هو إسلامي ويبذل الجهود والمساعي لطمسه وتغييبه لتجهيل المسلمين، فكان التتار يقتلون علماء المسلمين وأصحاب الرأي فيهم وكانوا يُحرقون المكاتب ولنا في مكتبة بغداد بعد سقوط الدولة العباسية مثلاً كبيراً، حيث احرقها التتار والقوا بكتبها بنهر الفرات حتى صُبغت مياه النهر بلون الحبر الاسود، وهكذا تصنع امريكا اليوم فإنها تحارب الثقافة الإسلامية وتتهمها بالرجعية والتخلف والارهاب، وتحاول استبدال المكتبة الإسلامية بكتبها وعلومها وتبديل التاريخ الاسلامي الصحيح الذي يأخذه المسلمون من مؤرخيهم المعتمدين كابن الكثير وابن الاثير... إلى ما يؤرخه المستشرقون... نعم حرب شاملة على الثقافة الإسلامية...

بل وأعجب نقاط التقاطع بين التتار والامريكان كان بترتيب غزو بلاد المسلمين، فاحتل التتار الدولة الخوارزمية التي ضمنها دولة افغانستان الاستراتيجية الجبلية التي تربط تلك المنطقة ببعضها تماما كما فعلت امريكا، ومن ثم حاصر التتار الدولة العباسية بالعراق تماما كما صنعت امريكا بحصار العراق، بل واحتل الامريكان العراق وعاصمتها بغداد تماما كما فعل التتار، واستغل التتار حقد الوزير مؤيد الدين العلقمي الشيعي على الإسلام وأهل السُنة والجماعة فجندوه لخدمتهم وتنفيذ اجندتهم بالعراق تماما كما تصنع امريكا اليوم مع بعض شيعة العراق، بل والاعجب من ذلك هو فرار حاكم الدولة العباسية الاخير المستعصم بالله وقتل نجليّه قبل اعدامه تماما كما حدث مع حاكم العراق صدام حسين وقتل ولديّه قبله... ويوم احتل التتار بلاد المسلمين كانت معظم المدن الفلسطينية تحت الاحتلال الصليبي تماما كالاحتلال الامريكي لبلاد المسلمين وفلسطين تحت الاحتلال الصهيوني...

سبحان الله الذي جعل في الأرض سُنن لا تتبدل ولا تتغير بل تعود وتتكرر، وبعد ما طرحت قسم من اوجه الشبه بين حالة المسلمين والظالمين في ذلك مطلع القرن السابع الهجري مع احوالنا، فلا بد لي ان اتحدث بإيجاز عن نهاية التتار ونهوض المسلمين لعلنا ننهض كما نهض اسلافنا في الماضي ونقيم العدل بعد دحر الظلم، فبعد سقوط الكثير من اراضي المسلمين تحت الاحتلال المغولي التتري، شهدت ارض مصر تحركا مباركا، ببزوغ نجم سلطان العلماء وبائع الامراء العز بن عبد السلام، ذلك العالم والامام الجليل الذي اخذ يوضح للمسلمين تعاليم دينهم دون وجل او خوف، ويقوّم اعوجاج الحكام دون أن تأخذه بالله لومة لائم، وما تزامن معه من احداث وسيطرة السلطان قطز المملوكي ذلك الرجل الصالح المخلص لله والوفي لدينه على مقاليد الحكم وإعلانه الجهاد على الظالمين بعد ما اخذ بالاسباب وبنى جيشا كبيرا قويا متماسكا متمسكا بالعروة الوثقى  "القرآن والسُنة" وعقد الاتفاقيات الدولية لتحييد الدول الاخرى من الحرب او مشاركة التتار واستجلاب بعض الممالك والامارات الاسلامية لصفه، فسار هذا القائد المظفر نحو فلسطين ليضرب حامية التتار بغزة، ليهزم التتار بالحرب النفسية ويحبط معنوياتهم بغزة العزة، ثم يسحقهم بشهر رمضان في سهول عين جالوت شمال فلسطين بعد التدبير والتخطيط والتوكل التام على الله، والقضاء عليهم في سهول بيسان على نهر الاردن ومن ثم انطلق ليحرر بلاد المسلمين، تميّز قطز وجيشه بالغاية النبيلة التي خرجوا من اجلها وتميزوا كذلك انهم لم يقاتلوا من اجل قُطر معيّن وحمايته إنما جاهدوا من اجل حماية الأمة وتحريرها، ولذلك اتبعت الشعوب جيش قطز رحمه الله ودعمته وأيدته وهزم الله على يديه التتار واقام الله له دولة الإسلام والواسعة القوية... فلكم يا ايها المسلمين بالعز بن عبد السلام وبالسلطان قطز وبمن عاصرهم الدروس والعبر، فإذا طبقتم نموذجهم ستنهضون وستتحرون من امريكا وحلفائها بإذن الله، فأمريكا تعرف ذلك جيدا ولذلك تآمرت على التجربة الإسلامية بمصر ودعمت بمعية اعوانها الانقلاب العسكري حتى لا تتحقق تجربة قطز ولكنها حتما عائدة ان شاء الله تعالى... لأن لله سُنن لا تتبدل ولا تتغيّر.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
 bassam@panet.co.il .


 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق