اغلاق

المحامي زكي كمال يكتب:بناء الإنسان قبل انتخابات البرلمان

لم يكن قرار السلطة الفلسطينية الأسبوع الماضي حول الغاء او تأجيل الانتخابات العامة مفاجئاً، بل انه كان المتوقع الوحيد الذي بلغ حد المؤكد تماماً كما لم يكن رد حركة


المحامي زكي كمال

" حماس" وغيرها من الفصائل التي قدمت قوائم مرشحيها مفاجئاً، بل انه كان المتوقع تماماً حتى لو تفاوتت الردود، لكن هذا القرار كان فرصة نموذجية وممتازة للبحث مجدداً في قضية وتقنية اتخاذ القرارات السياسية ومنطلقاتها ودوافعها والعلاقة المتناقضة بين الأسباب المعلنة للقرارات والأسباب الحقيقية لها خاصة اذا كانت هذه الأسباب المعلنة لا تعدو كونها اعذاراً ليس إلا.
وكما أن الإعلان لم يكن مفاجئاً لم تكن تبريراته مفاجئة خاصة أنها اعتمدت قضية عدم وجود حكومة جديدة في اسرائيل وتعذر اجراء الانتخابات في القدس سبباً ومبرراً لتأجيلها الى موعد لم يُحَدَد بعد، علما ان اعلان هذا المبرر جاء تزامناً مع الاحداث والمواجهات في مدينة القدس في تزامن دفع البعض الى اعتباره عذراً، خاصة ان هذين الأمرين ليسا جديدين فإسرائيل دون حكومة جديدة منذ اكثر من عامين، ويبدو ان ذلك سيتواصل الى فترة أخرى إضافية، اما تعذر اجراء الانتخابات في القدس فليس بجديد ايضاً، فإسرائيل لم تعلن موافقتها تماماً كما لم تعلن رفضها، ناهيك عن ان الإعلان بصيغته التي قررت تأجيل الانتخابات بسبب " رفض إسرائيل السماح لمواطني القدس بالتصويت " يشكل في نظر البعض اعترافاً فلسطينياً بان اسرائيل هي صاحبة السيطرة في القدس، فلماذا لا يتم اجراء الانتخابات مثلاً عبر التصويت في صناديق اقتراع في القرى المحيطة بالقدس، أو التصويت الكترونياً لمن أراد، وان الانتخابات للسلطة الوطنية رئاسة وبرلماناً  لن تجري الا بموافقتها، في اعلان يشكل تسليماً بان القدس ليست جزءًا وبأن السلطة الفلسطينية بعيدة عن اتخاذ قراراتها بيدها، وكم بالحري ان الانتخابات السلطة الفلسطينية عام 2006 جرت بعد ان وافق على ذلك رئيس الوزراء  الإسرائيلي آنذاك إهود أولمرت بطلب من الإدارة الأمريكية.

" معان بعيدة المدى "
لو أدركت السلطة الفلسطينية هذه المعاني بعيدة المدى للانتخابات لفهمت عملياً أن قضية الانتخابات في القدس لا تتعدى كونها العذر الواضح والشفاف بل المكشوف، وليس السبب الحقيقي رغم انه المعلن، وبالتالي فإن هذا الإعلان يجسد بشكل تام القول الشهير لجورج واشنطن " ان تسعة وتسعون بالمئة من حالات الإخفاق تأتي من الذين تعودوا تقديم الأعذار " وقول بنيامين فرانكلين " ان من يكون جيداً في خلق الأعذار لا يكون جيداً في أي شيء آخر"، كما انه الدليل الواضح على الأسباب الحقيقية لهذا الإعلان والتي ملخصها ان حركة " فتح " ارادت بهذا الإعلان انقاذ ماء وجهها، وإنقاذ نفسها مستغلة " العذر او المبرر المقدسي " خاصة أنها كانت تعرف بشكل واضح لا يقبل الشك او التأويل انها ستخسر هذه الانتخابات، وهو ما كان واضحاً لكل من في رأسه عينان خاصة في إسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية.
حركة " فتح " أدركت ان هذه الانتخابات والتي تشكل شرطاً من شروط مفاوضات المصالحة مع " حماس " تجيئ في وقت يعاني فيه الفلسطينيون الفقر والبطالة والمرض، ويتعرضون الى اعتداءات من المستوطنين في الضفة الغربية عبر ما يُسَمَّى " تدفيع الثمن " والتي تشمل اعتداءات على المواطنين من المسنين والأطفال وغيرهم، كما يعتقد فيه الفلسطينيون وغيرهم على نطاق واسع الآن أن عملية التفاوض بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية قد انتهت.
فالسلطة الفلسطينية – التي أُقيمت في العام 1994 تحت قيادة ياسر عرفات الذي كان رغم هذه الاتفاقيات غارقاً في دوره العسكري كرئيس منظمة للتحرير الوطني عبر النضال المسلح ( اتفاقيات ردت عليها " حماس " بسلسلة عمليات تفجير ) كهيئة مؤقتة لمدة خمس سنوات للإشراف الإداري مع دور في ضمان الأمن الداخلي، بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة قد فات موعدها قبل ثلاثة وعشرين عاماً، كما أنها جُرّدت من كل هدف كما ان التفويض الذي مُنِح للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهو نقيض عرفات من حيث التوجهات، خاصة انه لم يكن ذات مرة من دعاة النضال المسلح والعسكري بل من دعاة التفاوض والمفاوضات السلمية، عبر طريق الانتخاب قد انتهى منذ سنوات، وبدلاً من أن تتطور الأوضاع السياسية إلى كيان دولة، أُصيبت بالخمود، حوَّل السلطة الفلسطينية الى كيان يجهد لتوفير الخدمات العامة للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة. ولا يزال التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل قوياً، كما أن الانشقاق بين السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها " فتح " في الضفة الغربية وبين غزة التي تسيطر " حماس " على الحكم فيها، حرم الفلسطينيين من وجود قيادة موحّدة كما ان القيود التي تفرضها إسرائيل على الحركة إلى داخل الضفة الغربية وفي أرجائها، تعيق التنمية الاقتصادية والضبط الإداري، وتواصل إسرائيل ومصر فرض قيود قاسية وشبه كاملة على حركة البضائع والناس، داخل غزة وخارجها.

" هل فشلت السلطة الفلسطينية وحماس ؟ "
السؤال الذي يجب ان يطرح هو: هل فشلت السلطة الفلسطينية في مناطق سيطرتها في الضفة الغربية ورغم مليارات الدولارات من الدعم الدولي في بناء مجتمع فلسطيني يتمتع بالاستقلالية او يقترب حتى من ذلك؟ وهل فشلت  أيضاً في بناء مجتمع يملك مقومات العيش الكريم وامكانيات العمل والكرامة الاقتصادية، او مجتمع تسوده الديمقراطية والحرية ويستطيع خوض انتخابات ديمقراطية وحرة سواء للبرلمان او الرئاسة، يشارك فيها الجميع من حركات وفصائل وأفراد، دون اقصاء ، في أحسن الأحوال، لمن يخالفها الرأي او تنحيته واخراجه خارج أي توافق وطني واجتماعي وديمقراطي كما حدث مع استبعاد ناصر القدوة من صفوف حركة " فتح " وقبله محمد دحلان وإطلاق النار باتجاه منزل نزار بنات مرشح قائمة الحرية والكرامة؟ ، والسؤال الاهم هل فشلت في بناء الإنسان الذي يمكنه بجدارة واستحقاق ووعي ومعرفة ممارسة الحق الديمقراطي أو قيادة تفهم معنى الديمقراطية والتعددية والحرية والانتخابات ممارسة وفعلاً وليس قولاً ؟ ، تماماً كما يمكن السؤال هل فشلت حركة " حماس " في غزة في خلق مجتمع فلسطيني غزي معافىً تسوده نسبة ولو ضئيلة للغاية من الحرية الإعلامية وحرية الرأي والتعبير ( انظر حادثة الاعتداء على الصحفية رواء مرشد لأنها لم تكن ترتدي الزي الإسلامي ) او مستقل اقتصادياً وتشغيلياً ما جعل مواطنيه كالكرام على موائد اللئام ينتظرون الدولارات القطرية بموافقة إسرائيلية وينتظرون الكهرباء والدواء والبضائع من إسرائيل ، نفس إسرائيل التي تعلن " حماس " جهراً انها تحاربها ؟ ، ناهيك عن ان الانتخابات جاءت وسط حالة مشابهة في غزة والضفة ، كما جاء في دراسة لمعهد مالكوم - كارنيغي للشرق الأوسط (  مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ) ضمن حالة عامة تسود الدول العربية  ( ومنها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحركة " حماس " في غزة ) تعني اعتماد السلطة الحاكمة نهجاً خطيراً يعتمد توفير الخدمات الاجتماعية ودعم المواد الاستهلاكية والوظائف الحكومية، مقابل مشاركة ضئيلة، أو عدم المشاركة على الإطلاق، من جانب المواطنين في اتخاذ القرار – بما معناه عقود اجتماعية تقوم على أساس المساومات السلطوية، ناهيك عن ان الوضع في غزة والضفة لا يختلف عن الدول العربية من حيث إدارة الشؤون الداخلية فكلها تقريباً تخضع لأنظمة حكم أوتوقراطية، سواء في أساليب السيطرة عبر اقامة أجهزة استخبارية وأمنية قوية وبذل الجهود الضخمة للإيهام بشرعيتها السياسية، ما يمثّل تحدياً صعباً في دول عربية عُرفت بكراهيتها للمؤسسات الديمقراطية.
ومع تزايد الروابط بين القوتين السياسية والاقتصادية في كثير من البلدان العربية، تنامت شبكات المحسوبية القوية، كما أن النزاع العربي الإسرائيلي والحرب الباردة كانا حجر عثرة كذلك في طريق التنمية المؤسسية، مثلما كانا ذريعة لغيابها تماماً كما كان استمرار النزاع الإسرائيلي الفلسطيني مبرراً وعذرا لمنع الديمقراطية والانفتاح والاستقلال الاقتصادي فمن سيطالب بالقوت اليومي إذا كان رحى حجر الاحتلال يثقل كاهله، أي ان الديمقراطية اضطرت للانتظار حتى الاستقلال الذي لم يحصل.

" أموال الدعم الخارجي "
إزاء ما سبق من الواضح ان حركتي " فتح " و" حماس " نسيتا او تناستا عمداً ان الاعتماد على أموال الدعم الخارجي، التي تزيد وتنقص بقرار مانحيها او أوضاع الدول الاقتصادية او بفعل ضغوط دولية على المانحين، يعني منع أي إمكانية لتنمية مجتمع مزدهر ومنتج يمكنه ان يطمح على الأقل الى مقدار معين وإن لم يكن كاملاً من الاستقلال السياسي والاقتصادي والفكري والاكاديمي والاجتماعي، ورفضتا الاقتداء بنماذج سياسية واقتصادية جديدة، يُطلب خلالها من المواطنين أن يُضحّوا بمزايا المعونة الاجتماعية التي اعتادوا عليها مقابل استقلال ووعي فكري وسياسي لأنهما ادركتا ان هذا التغيير سيوقف السيطرة التامة على المواطنين وسيخلق مواطنين بعضهم على الأقل سيطالب بالمساءلة، والعدل، وبدور أكبر في القرارات المتعلقة بالقضايا الوطنية، وهذا بالنسبة إلى الزعماء الذين اعتادوا منذ أمد بعيد على ممارسة السلطة المطلقة، سيمثّل مصيدة خطرة – من صنعهم هم أساساً - وهم لن يجانبوا الصواب إذا اعتقدوا أن طريق الإصلاح السياسي والاقتصادي سيؤدي إلى فقدان جانب من السلطة والنفوذ. ولذلك، يواصلون، باستثناء قلة منها، التشبث بالوضع الراهن السيء حتى لو أسفر ذلك عن نتائج كارثية.
وفق الحساب الفصائلي او الحركي فإن حركة " فتح " هي الخاسر من تأجيل الانتخابات خاصة ان الحكومة القادمة في إسرائيل قد لا تختلف عن الحالية من حيث التوجه والسياسات تجاه الفلسطينيين عامة والقدس خاصة، اما " حماس " فهي ربما الرابح جراء التأجيل الذي لم يرافقه أي تحسن في الأداء الحكومي الإداري او الاقتصادي أو الأمن الشخصي في الضفة الغربية، التي تعيش اليوم وضعاً يشبه ما في غزة من مشاكل اقتصادية وصحية وتشغيلية عادة ما تصب انتخابيا في مصلحة  الحركات والتوجهات الدينية كما نرى في إسرائيل والمجتمعات الفقيرة التي تشكل أرضاً خصبة  لترعرع النزعات الدينية وبعضها متشدد، لكن الخاسر الأكبر هو المواطن الفلسطيني الذي أراد دولة فاضطر للاكتفاء بسلطة مقصوصة الجناح وأراد استقلالاً فعاش فقراً وانعدام أماكن العمل وبحث عن سلام فوجده وهماً وتمنى أمناً شخصياً فواجه اعتداءات متواصلة، وأراد حرية حركة في دولته ووطنه لينتهي به المطاف الى " كانتونات فلسطينية " تغلقها الحواجز، وبحث عن مستقبل مشرق ومختلف ليواجه قيادة ترفض التغيير والسماح لقوى جديدة بالبروز وتصر على التمسك بمقاليد الحكم حتى دون انتخابات بأسباب او بأعذار تغيرت وتبدلت والنتيجة واحدة: البقاء في السلطة دون منح المواطن إمكانية الحديث والتعبير عن الرأي او حتى أدنى حد من المشاركة السياسية، بل دون بناء الانسان لممارسة هذه المشاركة متجاهلة ان الانتخابات ستكون زينة وشكلية إذا لم يسبقها بناء الإنسان الواعي والقادر.. فبناء الإنسان يجب ان يسبق بناء البرلمان بل أنه الشرط الأول لانتخابات تسفر عن برلمان وقيادة وتقود الى الاستقلال الحقيقي، وانتخابات تجرى رغم كل الظروف ودون حجج او أعذار، فهل علينا الإشارة هنا، ما قد يغضب البعض، الى بعض الشعوب التي بنت مؤسساتها الاقتصادية والاكاديمية والسياسية والعسكرية هنا في منطقتنا هذه قبل ان يكون لها كيان سياسي بل تمهيداً لبناء هذا الكيان؟ 

" سياسة عقلانية وموضوعية "
رغم ما سبق لا بد من كلمة حق تجاه الرئيس الفلسطيني الدكتور محمود عباس وسياسته العقلانية والموضوعية وسيره على خطى المهاتما غاندي، الذي استطاع تحرير الهند من الاستعمار البريطاني ليس بالسلاح والنار والحديد وإنما بالكلمة والنضال الفكري والجماهيري والعقائدي، وهنا تجدر الإشارة الى ان عباس وبقراره تأجيل الانتخابات دون تعيين موعد جديد محدد،  وبعد دراسة معمقة مع تقارير أمنية  من جهات مختلفة وصل الى قناعة بان تأجيل الانتخابات يوفَّر فرصة لحساب الذات لحركة " حماس " وحركة " فتح " وباقي الفصائل والقوائم بل وللفلسطينيين كافة، وفرصة قد لا تتكرر لوضع برامج تفضي الى رفع ودفع الاقتصاد وبناء الإنسان وبناء دولة مع مؤسسات ومقومات استقلال تمكنها عند الاعتراف بها بشكل كامل ومن مجلس الامن الدولي، أن تكون قدوة للدول الحضارية، ويبدو ان الدكتور محمود عباس يعتقد انه بقراره هذا تأجيل الانتخابات، أنقذ الشعب الفلسطيني من مأساة كانت قد تحدث جراء انتخابات تؤدي الى نتائج ترفضها الكثير من الفصائل ما قد يؤدي الى حرب أهلية استطاع محمود عباس بقراره هذا منعها.


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: 
bassam@panet.co.il 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق