اغلاق

وخذوا من لبنان عبرة يا أولي الألباب !

لم يكن قرار محكمة العدل العليا رد الالتماسات المقدمة ضد قانون القومية بأغلبية 10 قضاة من أصل 11، وهو قرار سيء للغاية بكافة المفاهيم، مفاجئٍا لي على الأقل بل كان

 

المحامي زكي كمال

متوقعاً وإن لم يكن بأغلبية ساحقة وسافرة من حيث انقسامها الداخلي وانتماءات القضاة في كل من المعارضين للالتماسات والداعين الى قبولها، وذلك انطلاقاً مما يشهده الجهاز القضائي في البلاد عامة، ومحكمة العدل العليا خاصة، باعتبارها الحصن الأخير للدفاع عن حقوق الفرد عامة وحقوق الأقليات خاصة من تطورات وتغييرات جعلته أكثر يمينية ومحافظة وأقل جرأة لاتخاذ قرارات تضع السياسيين بأحزابهم والسلطتين التشريعية والتنفيذية أمام مرآة تعكس أمامهم الواقع بأنصع صوره، والحقيقة بأقسى صورة وأوضح حال عبر اتخاذ قرارات تكرس العدل والحق دون ان يخشى القضاة في ذلك لومة لائم، كما انه كان بالنسبة لي وبخلاف الكثيرين من رجال القانون والمحللين والمراقبين السياسيين أكثر من مجرد قرار قضائي أو رأي قضائي في قضية تحتمل التأويل والتفسير والراي والرأي الآخر.
قرار محكمة العدل العليا سابق الذكر والذي قامت فيه المحكمة بقضاتها اليهود العشرة رد الإلتماسات، دون ان يرمش لها جفن، باستثناء صاحب الرأي المخالف القاضي جورج قرا ابن الأقلية العربية، يشكل خطوة تاريخية ، وليس للإيجاب، قررت محكمة العدل العليا فيها رفع راية الاستسلام البيضاء، معلنة أن " القضاة في اورشليم "- كما قال مناحيم بيغن قبل أربعة عقود ونيف، استسلموا امام نزوات السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، فها هي المحكمة التي كانت على شاكلة رؤسائها المتعاقبين، ناشطة وفعالة لا تخشى اتخاذ القرارات الصعبة حتى لو كانت تناقض قرارات الحكومات والبرلمان، كما فعلت في حالة بناء الجدار الفاصل حيث اكدت انه يجافي في مساره كافة القوانين الدولية ولا تبرره الاعتبارات الأمنية، وكما جاء في قرار المحكمة حول مستوطنة الون موريه، الذي ألزم حكومة مناحيم بيغن بتفكيكها وذلك في تشرين الثاني 1979، بعد أن أمر قضاة المحكمة العليا الحكومة بإخلاء مستوطنة ألون موريه، التي اقيمت قبل وقت قصير من ذلك على أراضي سكان قرية روجيب الفلسطينية، تعلن جهاراً وصراحة أنها تتنازل  طوعاً عن مكانتها التي وصفها مناحيم بيغن في حينه قائلاً بعد القرار:" تؤمن الحكومة بسيادة الجهاز القضائي وسلطة القانون وعليائه وتفوقه مرتبة على كافة السلطات والهيئات في البلاد، بما في ذلك الحكومة نفسها، وبالتالي على الوزراء كافة دون استثناء تنفيذ قرارات المحكمة دون تلكؤ او تحفظ وتنفيذها بدقة وامانة"، مضيفاً جملته المشهورة " هناك قضاة في القدس"، وانها تقبل بأن لا يتم تنفيذ قراراتها بل اكثر من ذلك واخطر من ذلك، فها هي تقبل بان تعترف وإن لم يصرح قضاتها بذلك، بان تصبح آداة لشرعنة تشريعات تنضح تمييزاُ وعنصرية وتبرير أفعال وقرارات البرلمان والحكومة وإلباسها لباسٍا قضائياً ليس لها.

" اضفاء شرعية على القانون "
 لم تكتف محكمة العدل العليا وهنا مكمن الخطورة، في رد الالتماسات مع الإشارة الى سلبيات ونواقص القانون، بل ذهبت الى ابعد من ذلك، فقرارها أضفى الشرعية التامة على القانون وأفرغه من مضامينه ونواياه العنصرية، التي كان يجب أن تجعل الكنيست تقوم بإلغاء القانون على الفور، كما كان من المؤكد ان يحدث في أي نظام ديمقراطي معافىً وسليمًا يرفض القضاء فيه سطوة السياسيين ولا تتملكه رهبة الحركات والتوجهات الشعبوية المتطرفة التي تعتمد مبادئ الصفوة العرقية والتي تعلن صراحة تبنيها مبادئ الفصل العرقي والتمييز العرقي، إن لم يكن الفصل العنصري، وفوق ذلك، أقر القضاة قانوناً لا مكان في كتاب القوانين لكونه تمييزي ومُسيء، كان الأجدر بالجهاز القضائي الإسرائيلي حتى وان كان خاليًا من الصلاحيات الفعلية، ان يلغيه لأن أضراره تتعدى المنظومة القضائية ووجوده يُمأسس فعليًا – التمييز المؤسساتيّ المستمر ضد المجتمع العربي في إسرائيل.
حيثيات هذا القرار تعيد الى الأذهان ما أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2014، بل ما حذرت منه، واصفة إياه بالتحديات المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية، التي تثيرها الأحزابُ السياسية والحركات والجماعات المتطرفة، والحركات الأيديولوجية المتطرفة في دول العالم المختلفة متذرعة بالأزمات سواء كانت أمنية او عرقية او اقتصادية او حتى اجتماعية، كما يعيد الى الأذهان قضية العبر التاريخية او العبر من التاريخ والأحداث المحلية والإقليمية والعالمية التي تبدو أحياناً منفصلة دون علاقة تربطها، ودون ان تتقاطع أسبابها ومبرراتها ونتائجها وأبعادها، ليتضح بعد ذلك أن الأحداث والتطورات الإقليمية أو الاحداث في الدول المجاورة والمتجاورة ترتبط ببعضها ارتباطًا وثيقًا رغم ان هذا الارتباط قد يتضح او تتضح معالمه بعد حين.

" عبر تاريخية "
ما قصدته في الفقرة السابقة هو ما تعارف المحللون على تسميته " العبر التاريخية "، لكن قبل ذلك لا بد من الإشارة الى " عوامل وظروف " رافقت هذا القرار، تبدو غير مرتبطة  لأول وهلة، لكنها في نظري مرتبطة بل ذات علاقة وثيقة، فالقرارات تكتسب عادة أهمية خاصة بفضل مواعيدها وتوقيتها، ففي الواقع وكما قال نابليون بونابرت ان " توقيت القرارات او توقيت اتخاذ القرار يكون أحيانًا اهم بكثير من القرار نفسه "، وبالتالي تكفي الإشارة في سياقنا هذا الى " توقيت القرار " الذي جاء في أسبوع ناقشت فيه الكنيست تمديد سريان قانون منع لم الشمل الذي يحرم المواطن الفلسطيني من ابسط حقوقه وهي إختيار شريك / شريكة حياته ومكان سكنه ويحرمه من حق تلقي العلاج الطبي اذا اختار شريك حياة يقيم في الضفة الغربية او غزة او دولة عربية، دون ان يطبق ذلك على اليهودي، بل يمنحه الحقوق والمواطنة الكاملة بشكل تلقائي، وهو القانون الذي طالبت المحكمة العليا نفسها  بتعديله ما اضطر الحكومة الى اعتباره امراً مؤقتًا يجب تمديد سريانه مرة كل عام، او الحديث من اليمين والليكود بضرورة استبداله بقانون الهجرة الذي يحصر حق الدخول الى إسرائيل على اليهود من جهة، ويمنح الحكومة من جهة أخرى إمكانية سحب مواطنة أي مواطن من مواطنيها لأسباب تتمحور كلها حول " يهودية الدولة "، وهما قانونان يميزان ضد العرب لكونهم عربًا، ناهيك عن تزامنه مع قرار وزير المالية افيغدور ليبرمان، وقف الدعم المالي للعائلات اليهودية المتزمتة التي يدرس ربها في المعاهد الدينية، خاصة ذلك الدعم المتعلق بتمويل مكوث الأطفال من هذه العائلات في الحضانات وروضات الأطفال لكونهم متدينين متزمتين، إضافة الى تزامنه مع انتهاء عهد رئيس الدولة السابق رؤوفين ريفلين، الذي كان رغم مواقفه اليمينية، داعمٍا للمساواة وحقوق الإنسان والذي حذَّر، دون ان يتوقع السرعة التي ستتحقق فيها تحذيراته، من كون إسرائيل دولة اسباط تتألف من أربعة اسباط هم اليهود الغربيين الاشكناز واليهود الشرقيين والعرب والمتدينين والعلمانيين، وان هذه الأسباط تمعن التقدم في طريق ينتهي بالمواجهة والصدام دون حوار، وان إسرائيل بتركيبتها الحالية والحالة العالمية والإقليمية لن تتمكن من مواجهة الصدام الطائفي والعرقي والديني الداخلي، رغم انها صمدت في وجه التحديات الخارجية العسكرية والأخرى، خاصة أنها دولة فتية، في اعتراف صريح وتحذير واضح من ان دولة إسرائيل فشلت في مهمتها الأولى وهي التحول الى بوتقة تنصهر فيها كافة انتماءات اليهود وأماكن ولادتهم ونشأتهم وتوجهاتهم السياسية والطائفية والعرقية والدينية وصولاً الى دولة الشعب اليهودي الواحد والموحد، الذي يجمعه الانتماء العرقي ولا تفرقه الانتماءات الفرعية، كما فشلت في إرساء قواعد الديمقراطية ليكون قرار المحكمة العليا رد الالتماسات حول قانون القومية الدليل الواضح لكل من تلذذ بالتفكير ولو للحظة ان الديمقراطية والمساواة في إسرائيل انتقلت من موضع التصريح والكلام الى موضع التنفيذ والتطبيق على أرض الواقع.. فالحقيقة هي العكس تماماً.

" نزاعات اقليمية "
يتفق المراقبون على ان الأوضاع في الشرق الأوسط بدوله المختلفة وإسرائيل بضمنها تحمل في طياتها التأثير المتبادل وترتبط بشكل او بآخر، وان عدم الاستقرار سيستمر في الشرق الأوسط طالما استمر تأجج الصراعات الداخلية، فبالمقارنة مع جميع المناطق الجغرافية الأخرى تقريباً في العالم، يعاني الشرق الأوسط من الافتقار إلى آليات محلية وداخلية لحل النزاعات الإقليمية والبروتوكولات الدبلوماسية التي قد تضيّق من نطاق النزاع الإقليمي وحتى النزاعات والخلافات الداخلية الطائفية العرقية والدينية ، فالخلافات والإختلافات تبدأ صغيرة يعتقد الكثيرون انها موضع تفاهم وتوافق لكنها لا تلبث ان تنفجر، ومن هنا لا بد  في نظري، من الالتفات الى خطوط متوازية ومتشابهة بين ما شهدناه وما نشهده من خلافات واختلافات سياسية وايديولوجية ودينية وقومية وعرقية وقضائية في اسرائيل، وما نشهده من تفاقم أحداث في لبنان الدولة الجارة والتي تقف على شفا الهاوية او على شفير الكارثة نتيجة خلافات واختلافات داخلية عرقية وسياسية ودينية واجتماعية تحكم منذ سنوات توزيعتها السكانية وتقسيمها الوظائفي، وتحدد المناصب ومراكز او مناطق السيطرة ومواضع القوة لكل جماعة حسب انتماء افرادها وتغلق الباب في هذه المواضع والأماكن امام الآخرين، فرئاسة الحكومة للمسلمين السنة، وهي حرام على غيرهم، ورئاسة البرلمان للمسلمين الشيعة، وهي حرام على غيرهم، ورئاسة الجمهورية حصر على المسيحيين وحرام على غيرهم، وهكذا وزارة الدفاع وغيرها وغيرها، وعلى نفس المنوال مراكز القوى الاقتصادية والتشغيلية وأماكن العمل المختلفة وحتى بعض المساقات الأكاديمية التي هي حرام على الفلسطينيين مثلاً، وكلها إجراءات وتقسيمات قررتها السياسة وقبلتها الحكومات والبرلمانات والسياسيون والبرلمانيون ووافق عليها الجهاز القضائي وشرعنها باعتبارها " لا تمس بديمقراطية الدولة والمساواة فيها " حتى ان الاتفاقيات الدولية كرستها ايضاً كما فعل اتفاق الطائف، الذي بادرت اليه السعودية والذي " ظلل " التوزيعات الداخلية تحت مظلة الحماية والقبول الدوليين سواء من طرف السعودية ( المسلمين السنة ) او فرنسا ( مسيحيي لبنان ) او ايران ( المسلمين الشيعة ) او سوريا ( الفلسطينيين ) وغير ذلك، واستمر ذلك دون ان يلتفت من كان عليه ان يلتفت الى التيارات تحت الأرضية والى التحركات السياسية الداخلية، التي تقبل الصمت مؤقتًا امام توجهات ونظم وأنظمة تخدم مصالح سياسيين معينين واحزاباً معينة لكنها تشكل تقويضاً لأُسس الدولة وتصل الى حد الانفجار ليليه الشلل التام في كافة المرافق وصولاً او اقترابًا من الانهيار. 

" شعور بالتمييز والاقصاء "
لبنان الذي ضمنت " توزيعته " تحويله الى بلد طوائف وجماعات ما يحق لبعضها حرام على غيرها، وما يعتبره البعض حقاً ديمقراطيًا، مثلاً الدعم المالي من ايران لحركة حزب الله ودور الحزب في الحرب الأهلية في سوريا، يشكل في نظر الآخرين ومن وراءهم من القوى الإقليمية والدولية جرمًا وحرامٍا او حتى جريمة يعاقب عليها القانون، وسط تسارع أوصل البلاد الى التمزق والشلل والصدام الداخلي بين " طوائفها وجماعاتها " تزامنًا مع الصدامات بين العرب واليهود في إسرائيل وفي كلا الحالتين شكل الشعور بالتمييز والاقصاء من بعض الجماعات، اي المناوئين لحزب الله في لبنان والمواطنين العرب في اسرائيل، وقوداً للصدامات والمواجهات تمامًا كما شكل نفس الشعور بالإقصاء لدى اليهود الاثيوبيين في إسرائيل سببٍا للصدام مع الشرطة والسلطات قبل سنوات.
رغم الفارق الحالي في الأوضاع بين لبنان وإسرائيل، فإن مراجعة سريعة تشير الى خطوط من التشابه في البدايات، خاصة قبول القضاء في لبنان وهو قضاء امتاز بالاستقلال في بداية عهده خاصة انه انبثق عن جهاز القضاء الفرنسي المعروف باستقلاله ودعمه لحقوق الانسان ورفضه للتمييز والتفرقة العرقية وللفساد الشخصي والسياسي حتى لو ارادتها الحكومات والأحزاب، بشكل يشبه او يكاد يتطابق مع توجهات الجهاز القضائي في البلاد الذي شرعن في السنوات الأخيرة وبأغلبية بل وإجماع تمكين بنيامين نتنياهو من تشكيل حكومة رغم لوائح اتهامه الجنائية الخطيرة دون ان يقول كلمته، بل اكتفى بتطبيق القانون بحذافيره الجافة دون شرحه وتفسيره وتحليله، كما وافق على قانون القومية وتجاهل تمامًا مضمونه الذي يقصي 22% من مواطني الدولة، هم مواطنيها الأصلانيين من الحياة العامة للدولة ويقول لهم ان إسرائيل التي ولدوا قبل اقامتها او بعد اقامتها ليست دولتهم وان لغتهم العربية ليست لغة تعترف الدولة برسميتها وأن مدنًا جديدة ستقام لمصلحة اليهود فقط  أي ان الدولة لليهود فقط ولتذهب الديمقراطية والمساواة الى الجحيم فهي لليهود فقط اما العرب فعليهم الاكتفاء بالفتات والمطلوب منهم التقوقع وإعلان آيات الولاء. وهو نفس الجهاز القضائي الذي انقسم قضاته في قرارهم رد الالتماسات وفق انتماءاتهم. 10 من اليهود دافعوا عن يهودية الدولة واعتبروا ويا للعجب بل والغرابة، ان اعتبار " اليهودية " الصفة الملازمة للدولة والاعتبار الأول والوحيد الذي يحدد مستوى ما يحصل عليه المواطن من امتيازات وحقوق امراً شرعياً ومقبولاً وليس امراً يشكل تفرقة عنصرية ضد العرب وجعلهم مواطنين مؤقتين من الدرجة الثانية والثالثة تمامًا كما لغتهم التي كانت رسمية حتى أمس لتصبح " ذات مكانة خاصة "( القانون لا يشرح هذه المكانة وهل هي خاصة سلبًا ام ايجابًا  أي هل هي لغة الأقلية ام لغة العدو) وقاضٍ عربي واحد، دافع عن الديمقراطية والمساواة وحقوق الانسان امام سيل مواقف وتبريرات زملائه اليهود وكأن به يقول لهم كما قال الوزير السابق حاييم رامون خلال مؤتمر حزب العمل عام 1994 حين قال لأعضاء المؤتمر وقادة الحزب: " كحيتان فقدت حاسة التموضع والقدرة على تحديد الاتجاهات تتدفقون نحو الشاطئ مرة تلو الاخرى ومصيركم الانتحار، وأنا بقواي الضئيلة وبمفردي أحاول اعادتكم الى المياه وجادة الصواب لكنكم لا تريدون، فأنتم لا تريدون الحياة بل تريدون الانتحار ".

" التعلم من عبر التاريخ "
هذا ما قصدته بقولي ان على القضاة والسياسيين في اسرائيل التعلم من عبر التاريخ، فعبر التاريخ هي الاستنتاجات التي ترافقنا والتي حصلنا عليها من احداث تاريخية عبر التاريخ البشري، وليس فقط في إطار مرجعي يتعلق بشكل معين من حياة المجتمع في مرحلة معينة من التطور التاريخي، حتى انه يُقال إن الكيان الذي يتمكن من تذويت وفهم عِبَر التاريخ هو عابرٌ للتاريخ، وان اتخاذ العبر من التاريخ يحول دون تكرار مصائب وكوارث التاريخ حتى ان  الفيلسوف الألماني ج. فريدريخ هيغل قال :" نتعلم من التاريخ.. أن أحداً لا يتعلم من التاريخ "، ويقول الفيلسوف الألماني – الروسي كارل ماركس " أن التاريخ يعيد نفسه مرتين، في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة "، فيما يقول الفيلسوف الإسباني جورج سانتيان ان " الذين لا يقرأون التاريخ محكوم عليهم أن يكرروه "، وكلها اقوال يمكن اختصارها في القول:" من لا يتعلم من عبر التاريخ سيدفع الثمن غاليًا وربما سيندم ساعة لا ينفع الندم ".
اسرائيل ولبنان تفصلهما الجغرافية وتجمعهما التوزيعة الداخلية الى طوائف وانتماءات فئوية تعتبر كل منها إن مصالحها لا تتم الا إذا تم حرمان الآخرين من مصالحهم وان علياء بعضهم رهن بدونية وإقصاء بل دوس حقوق الآخرين وأن كافة ما يحدث في الدولة مبني على أساس واحد هو: نحن وهم.. نحن وأنتم في أحسن الأحوال ويصل حد إما نحن وإما انتم في أسوأ الأحوال، وهو نهج تشرعنه قرارات قضائية تعني خضوع الجهاز القضائي التام لقرارات واعتبارات سياسية في ظاهرة خطيرة من تسييس القضاء وتجييره لخدمة تكريس التوزيع العرقي والطائفي وجعله يشرعن كل استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم علي أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة.. هكذا في لبنان وهكذا بشكل أو بآخر في إسرائيل، التي كانت دولة ضمن قضاؤها ديمقراطيتها لتتحول الى دولة يقضي القضاء فيها على الديمقراطية ويتساوق مع القوي ضد الضعيف ومع الأغلبية ضد الأقلية بعكس ما يجب ان يكون الأمر عليه.

" هل من مُعْتَبِر؟ "
ختامًا فإن ما سبق أي تصرفات وتوجهات الجهاز القضائي  تذكرني بالمثل الدارج في الولايات المتحدة وَبريطانيا وَمعناه " إذا كان الطير يبدو كبطة ويسبح كبطة ويصدر صوت البطة فهو إذاً بطة "، فإذا كان الجهاز القضائي يجاري السياسيين ويشرعن التمييز ويرفض فرض المساواة فإنه قضاء غير نزيه يشرعن قرارات تتخذها سلطات ودولة على أساس الانتماءات العرقية والدينية دون الحقوق الديمقراطية والمدنية، غير آبهة بالتبعات طويلة المدى لهذا النهج الذي يقسم البلاد الى طوائف وانتماءات لا يجمعها شيء بل تتنافر توجهاتها وتتناقض مصالحها ومنطلقاتها .. ولبنان وسوء حاله خير دليل، ولذلك أقول وكما جاء في الآية الكريمة 111 من سورة يوسف: " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗمَا كَانَ حَدِيثًا يفترى ولكن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"، أي وباختصار شديد ومفيد وبجملة واحدة:" خذوا من لبنان عبرة يا اولي الألباب في إسرائيل"، فهل من مُعْتَبِر؟؟


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق