اغلاق

مناصب ومراكز - مقال بقلم: د. عزيز سمعان دعيم

لغتنا وكلامنا، رسالة. أقرأ وأسمع كثيرًا مباركات واحتفاءات تُعلن تبوء إنسان معين لـ "منصب" أو "مركز" ما. من المهم أن ندرك معاني الكلمات

 
د. عزيز سمعان دعيم - صورة شخصية

التي نستخدمها والرسائل التي نُصدرها من خلالها.
فعندما نقول فلان صاحب مركز رفيع فنحن نقصد إعلاء شأنه من حيث منزلتُه ومكانته المرموقة. وكذلك الأمر عندما نتحدث عن إنسان تعين أو احتل "منصبًا"، فنحن نتحدث عن تولي هذا الإنسان لمقام رفيع يحمل في طياته العُلى والرِفعة، المجد والشرف.

فباستخدامنا هذه العبارات "منصب" أو "مركز" ومشتقاتها وشبيهاتها، نحن نؤكد أنهم حصلوا على جائزة (منصب) لكي يُكرموا دون أي توقع منّا تجاههم لأية خدمة، بل نؤكد أنه من واجبنا أن نقدم لهم الخدمة والإجلال لمجرد حصولهم على المنصب أو المركز، دون أي اعتبار لما يقدموه.
فكيف نتوقع بعد من أصحاب المناصب الرفيعة والمراكز المرموقة أن يخدمونا؟

فإن كُنّا نتوقع منهم خدمتنا والعمل لأجل المصلحة العامة للمجتمع/المؤسسة وغيرها، علينا أن نستخدم كلمات أخرى مثل، فلان تعين في (حصل على) وظيفة مهمة أو عمل هام، لكي نؤكد أن هذا التعيين أو التوظيف من أجل خدمة من هم " تحتهم " في وظائفهم ومن يتولون هم أمرهم، لا العكس. ليس لكي ينتصبوا نصبًا وينحني الآخرون أمامهم، وليس لكي يتمركزوا فيصبحوا هم مركز اهتمام الجميع، بل لكي يقوموا بوظيفتهم الهامة وعملهم الخطير الذي يؤثر على حياة ومعيشة وتقدم كثيرين. فكلما علت الوظيفة كلما زادت المسؤولية، وأصبح الاتضاع لازمًا وواجبًا للقيام بخدمة الآخرين.


لقد قدّم الرب يسوع لنا مثالًا ولا أروع ولا أعظم لنقتدي به: "فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: " أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا، يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلاً، يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا. لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ». (مرقس 10: 42-45)
وعلى هذا المثال يتوجّه الرسول بطرس للقادة ليُدركوا عظم المسؤولية والمساءلة، وأهمية قيامهم بخدمة ورعاية الشعب:
"ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّارًا، لاَ عَنِ اضْطِرَارٍ بَلْ بِالاخْتِيَارِ، وَلاَ لِرِبْحٍ قَبِيحٍ بَلْ بِنَشَاطٍ، وَلاَ كَمَنْ يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ، بَلْ صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ. وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى." (1 بطرس 5: 2-4).

فإن كنت في "منصبٍ" رفيع أو "مركز" سام، افهم عظم المسؤولية الكبيرة المُلقاة عليك، لكي تستطيع لاحقًا (بينك وبين نفسك، وبينك وبين الله قبل كلّ شيء) أن تقف بضمير صالح مؤكدًا أنك عملت بنقاوة وبأفضل ما أوتيت من معرفة وحكمة ومشورة لخدمة شعبك. فأنت خادم الجميع وخادم الخدام لتحقيق الأهداف السامية التي أوكلت لك، ولست أنت هدفهم أو محور خدمتهم.
ليباركنا الرّبّ ويزيدنا نعمة وحكمة وإثمارًا في خدماتنا للآخرين من أجل حياة فُضلى، لبناء عالم أفضل والمساهمة في مستقبل أروع.


* كاتب المقال : مدير المدرسة المعمدانية الثانوية - الناصرة


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
bassam@panet.co.il .


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق