اغلاق

اتفاقيات أوسلو: ولَدَتها المصلحة المشتركة ووأَدَها منطق القوة

بتسرعها وبلهاثها وراء مبررات للتغطية الصحفية حتى لو كانت واهية ومُخْتَلَقة ومتناسية للمحطات الهامة والأحداث الرئيسية والتي تلامس كافة مناحي الحياة في البلاد،

 
المحامي زكي كمال

اقتصاديا وسياسيًا واجتماعيا وأمنيًا، وانعدام شجاعتها في مناقشتها ومراجعة ما يلفها من تطورات، وفي مقدمتها النزاع مع الفلسطينيين على خلفية الذكرى الثامنة والعشرين لاتفاقيات أوسلو التي ولَّدتها المصلحة في إحلال السلام ووأدها منطق القوة من طرف إسرائيل وعدم الجاهزية الفلسطينينة، لم تتمكن الصحافة الإسرائيلية العبرية من تمالك نفسها الأسبوع الفائت وكبح جماح رغبتها،  واسرعت الى اختراع موعد مقدس جديد او محطة تقييم جديدة في عمر الحكومة الحالية حكومة التغيير او حكومة الاحزاب الثمانية برئاسة نفتالي بينيت، وهو مرور 90 يومًا على تشكيلها وانطلاقها الى الحياة العملية، كبديل إسرائيلي محلي عن  العرف المثير للجدل المعروف باسم "عُرف الـ 100 يوم"  الذي سنه الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في ثلاثينيات القرن الماضي، وتحول منذئذٍ الى عرف رئاسي ومحطة رئيسة، لتقييم مؤشرات عهد الرئيس الأميركي الجديد او ساكن البيت الأبيض الجديد.
وبالتزامن مع اعلان مجلة " التايم " اعتبار نفتالي بينيت واحدًا من أكثر 100 شخصية تأثيرًا في العالم، بتوصية ايضًا من عضو الكنيست ورئيس القائمة الموحدة الدكتور منصور عباس، لم تتوان وسائل الإعلام هذه عن صياغة التقييمات وتوزيع الشهادات على هذه الحكومة، في تقييم أقل ما يقال عنه انه متسرع وسطحي يتجاهل معطيات أساسية وهامة وينظر الى السياسة الخارجية الإسرائيلية وكأنها جزيرة نائية ومنفصلة متناسيًا ان العلاقات بين إسرائيل والدول الأُخرى بدءً بالولايات المتحدة مرورًا بمصر والأردن والدول الاوروبية والسلطة الفلسطينية بما في ذلك قضية فرار الأسرى الستة من سجن جلبواع ، ليست أمرًا قائمًا بحد ذاته بل انها " علاقات خارجية " ترتكز في مجملها الى قواسم مشتركة او تخدم مصالح مشتركة لهذه الدول، كما تؤكد نظريات العلوم السياسية وتحليل العلاقات الخارجية للدول حسب نظرية المدرسة الواقعية، التي صاغها  أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي هانس مورغانثو ودعائمها فكـرة المصلحة التي تحكم علاقات إسرائيل بدول العالم والمنطقة وفكرة القوة التي تحكم علاقات اسرائيل ومواقفها تجاه الصراع مع الفلسطينيين. 

" وافدان جديدان "
كما نسيت وسائل الإعلام العبرية المقولة ألشهيرة لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسينجر في أواسط سبعينيات القرن الماضي حين قال ووصف إسرائيل بانها دولة ليست لها سياسات خارجية بل سياسة داخلية فقط لها انعكاسات خارجية، وان كل شيء داخلي يجيء لخدمة أهداف وتطلعات الحكومة والائتلاف، ويتم تجييره لذلك، وهذا ما ينطبق ايضًا على طبيعة سلوك المواطنين العرب خلال قضية فرار الأسرى الستة من سجن جلبواع .
فكرة المصلحة هي التي حكمت لقاء بينيت - جو بايدن، حيث تم التأكيد فيه على ما يخدم مصلحة الزعيمين والدولتين، خاصة أنهما " وافدين جديدين " على ساحة القيادة الدولية أراد كل منهما استنفاذ هذا اللقاء لمصلحته، فكانت مصلحة اسرائيل الداخلية ماثلة بموقف بايدن من ايران والشأن النووي وموقفه من استمرار الدعم العسكري لإسرائيل، قبل ان يفرح العرب مؤقتًا بقرار تجميد الدعم المخصص للقبة الحديدية، وكانت مصالح أمريكا ماثلة بإعلان بينيت انها الحليف الأول والأساسي بل الوحيد لإسرائيل بعيدًا عن تلك  العلاقات الحميمة مع روسيا التي غذاها بنيامين نتنياهو، إضافة الى اعتبار بينيت الإدارة الأمريكية الجديدة وهي إدارة ديمقراطية تشكل استمرارًا لإدارة باراك أوباما الذي تعمد نتنياهو اهانته علنًا امام الكونغرس، شريكًا تامًا بل اكثر في منع ايران من امتلاك قدرات نووية كمقدمة لأسلحة نووية، وهذا ما كان في لقاء القمة الذي جمع رئيس الوزراء نفتالي بينيت مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في شرم الشيخ، وهو اللقاء الذي وصفه بينيت بأنه مهم وجيّد للغاية، فيما أكد بيان الرئاسة المصرية دعوة السيسي لتثبيت التهدئة بين الفلسطينيين وإسرائيل ودعم مصر لحلّ الدولتين بما يُسهم في تعزيز الأمن والرخاء لجميع شعوب المنطقة، كما أشار إلى أهمية دعم المجتمع الدولي جهود مصر لإعادة الإعمار بالمناطق الفلسطينية، فكانت مصالح لإسرائيل ماثلة بالحديث عن  إعمار غزة دون الحديث عن حل سياسي وبشكل لا يرتبط بإعادة الأسرى الإسرائيليين من القطاع، بل تم  الحديث عن تهدئة وإعادة اعمار او تهدئة يوازيها إعادة اعمار كما جاء في خطة وزير الخارجية يائير لبيد حول دعم غزة اقتصاديًا وبنيويًا واجتماعيًا وإقامة البنى التحتية، مقابل استمرار الهدوء إضافة الى  تعهد مصري بمنع تدهور الاوضاع في القطاع ومنع التدهور سواء من قبل "حماس" او " الجهاد الإسلامي " وهو ما اتضحت صحته رغم تهديدات نارية من " الجهاد " بالرد اذا ما تم إعادة اعتقال الأسرى ( خمسة منهم من الحركة) انتهت الى هدوء شبه تام " خرقته " عدة بالونات حارقة وقذيفتي هاون، كما كانت مصلحة بينيت قائمة  بمنحه " صك الثقة " من المصريين بعد عهد نتنياهو الذي اعتبره المصريون غير اهل للثقة، وكانت مصالح ائتلافه المميز وغير المسبوق قائمة بإعادة العلاقات الى سابق دفئها مع مصر وموافقة مصر على استقبال رئيس وزراء إسرائيلي علنًا والعلم الإسرائيلي يرفرف خلفه بخلاف ما حدث خلال لقاء السيسي ونتنياهو حيث اختفى العلم الإسرائيلي من المشهد تمامًا كما اختفت من المشهد اللقاءات العلنية مع رئيس المعارضة الحالي بنيامين نتنياهو، اما مصالح مصر فكانت قائمة أيضًا هناك، علمًا انه كان بإمكان السيسي الاكتفاء بجلسة هادئة مع بينيت على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة المقبلة في نيويورك، ورغم ذلك جاء اللقاء الدافئ مع بينيت والذي الذي حظي بترحيب كبير من بايدن خلال زيارته في أواخر آب،  وسيلة للقاهرة لتذكير الولايات المتحدة بأنها لاعب لا بديل له في الحفاظ على الاستقرار في المنطقة، ولا ينبغي الضغط عليها أيضًا أكثر في الأمور الداخلية ومنها حقوق الإنسان، خاصة وقد أحرزت مصر تقدمًا كبيرًا في ترسيخ تلك الصورة في عيون الأمريكيين خلال حملة " حارس الأسوار " التي استمرت 11 يومًا بين إسرائيل و"حماس" في أيار، بفضل دورها كوسيط بين حماس وإسرائيل.

" نفوذ في أديس ابابا "
إضافة الى ذلك كانت مصالح مصر ماثلة، عبر تأكيد إسرائيل علنًا على دور مصر، حيث شدد وزير الخارجية يائير لبيد على الأهمية الحاسمة لمصر، معترفًا ان إعمار غزة وتحسين أوضاعها لن يحدث بدون دعمها ومشاركتها وبدون قدرتها على التحدث إلى جميع المعنيين، وهو ما يصب في مصلحة مصر التي تريد من إسرائيل حث إدارة بايدن على الحد من انتقاداتها لسجل مصر في مجال حقوق الإنسان، على ضوء الاعتقاد المصري ان إسرائيل يمكن أن تؤثر على الإدارة والولايات المتحدة في مجالين مهمين لمصر، هما استمرار المساعدات الأمريكية لمصر رغم خصم امريكا 130 مليون دولار منها حاليًا، والتوتر مع إثيوبيا بشأن مشروع سد النهضة فالقيادة المصرية تعتبره أحد التحديات الرئيسية في سياستها الخارجية، بعد فشل جهودها الدبلوماسية في ثني إثيوبيا عن المضي قدمًا في المشروع، وتعتقد القاهرة أن إسرائيل لها نفوذ في كل من واشنطن وأديس أبابا، ويمكن أن تكون المفتاح لإعادة إثيوبيا إلى طاولة المفاوضات.
الجدير بالذكر هنا أنه في يوم اجتماع بينيت - السيسي، رفعت إسرائيل قيود السفر المفروضة على المواطنين الذين يزورون سيناء وذلك قبل أيام فقط من عيد " العرش- سوكوت ".
فكرة المصلحة كانت  ايضًا في قضية العلاقة بين الدولة ومواطنيها العرب بكل ما يتعلق بالأسرى الستة الذين فروا من سجن جلبوع، والذين القي القبض عليهم جميعًا خلال أسبوعين من هروبهم، أربعة منهم خلال مكوثهم قرب بلدات عربية في اسرائيل، فمصلحة الحكومة والدولة والائتلاف الحكومي كانت ماثلة بالحديث عن ان  مواطنين عربًا من إسرائيل هم من ابلغوا الشرطة بمكان تواجد الاسيرين قرب الناصرة، ما تم اعتباره بمثابة إخلاص منهم للدولة ومشاركة في جهودها للحفاظ على أمنها، وبالتالي فهم ليسوا أعداءَ للدولة ولهم مكان في حياتها السياسية والائتلافية كما حدث مع القائمة الموحدة وهذا شرعنة مشاركة الموحدة في الائتلاف ورفع صبغة العداء لإسرائيل عنها كممثل للمواطنين العرب داخل الائتلاف، وان الأسرى طلبوا العون والمساعدة من الموطنين العرب ولم يحصلوا عليها، أي ان المواطنين العرب لا يعتبرون قضية الأسرى ومعها الشأن الفلسطيني قضية تجدر بهم المخاطرة والمجازفة من أجلها وخسارة حريتهم او تعرضهم للمساءلة القانونية، كما كانت مصالح الموطنين العرب قائمة، عبر عودتهم الى " حضن الإجماع الإسرائيلي " بعد مواجهات أيار خاصة في المدن المختلطة، ورفضهم مساعدة الأسرى أبناء جلدتهم، أي بتفضيلهم الانتماء المدني لدولة اسرائيل على الانتماء القومي للفلسطينيين، وإبقاء التصريحات حول وحدة الحال مع الفلسطينيين والنضال من أجل تحرير فلسطين على حساب باقي الاعتبارات، رهن القول والتصريح عبر مظاهرات التأييد للأسرى بعد إعادة اعتقالهم والوقفات امام الحكمة المركزية في الناصرة عملًا بالقول الشهير بعد نكسة حزيران 1967" قلوبنا معكم والله يرعاكم"، وليس الفعل.

" فرض الواقع "
وتزامنًا مع الذكرى الـ 28 لإتفاقيات أوسلو، فإن فكرة القوة كانت وما زالت تحكم علاقة اسرائيل بالفلسطينيين ومصير اتفاقيات أوسلو، وهو ما مثله  لقاء بيني غانتس مع  الدكتور محمود عباس الرئيس الفلسطيني، فهو لقاء لا يعني إحياء اتفاقيات أوسلو او استئناف المسيرة التفاوضية، وإن كان شبه متزامن او قريب من ذكرى توقيعها، بل ان الردود عليه خاصة من رئيس الوزراء بينيت الذي اعلن لن يلاقي أبو مازن رغم انه  التقى السيسي في الذكرى السنوية الثامنة والعشرين لها متجاهلًا السلطة الفلسطينية ليعلن رسميًا وفاة هذه الاتفاقيات، ولن يعيد استئناف المفاوضات وهذا ما وعد به خلال الانتخابات، كما عبرت عن ذلك مضامين اللقاء التي دارت حول المساعدة المالية للسلطة وحول التنسيق الأمني الذي تجلى لاحقا في قضية اعتقال الأسيرين أيْهَم كممجة ومُناضِل نفيعات في جنين وليس في إسرائيل!، وهذا ما عززه اعلان اسرائيل ان اللقاء لا يعني إعادة السلطة الفلسطينية الى مركز الأحداث او لا سمح اعتبارها مرة أخرى شريكًا في المفاوضات او مؤسسة تريد إسرائيل خلق مصالح مشتركة معها، بل تحاول فرض الواقع عليها دون أي اقتراحات عملية جديدة، وباختصار فإن الرد الإسرائيلي يؤكد ان إسرائيل لا تملك ورغم 28 سنة على أوسلو، أي اقتراح او مشروع مبلور وواضح يتعلق بالضفة الغربية او قطاع غزة ، فلا حديث عن حل سياسي بل عن حلول اقتصادية ملخصها ان يقتصر الاهتمام على الأمور الحياتية اليومية للفلسطينيين وحلها عبر زيادة عدد العمال الفلسطينيين ومعونات مالية اعتقادًا منها ربما ان المهم هو الحفاظ على الوضع الراهن وإدارة الصراع بدل حله ليتضح ان اتفاقيات أوسلو كانت " جبنة سويسرية عامرة بالثقوب " وانها بصياغتها التي تنم عن سوء فهم وتقدير غير صحيح من قبل الطرف الفلسطيني، قابلة للتنفيذ او ملزمة او قابلة للحياة ، بل اكثر من ذلك فهي اتفاقيات أكدت ان الحالة الإقليمية والدولية تعني ان الاتفاقيات وغن تم الإعلان عنها احتفاليا، فإن تنفيذها يبقى رهن بفكرة القوة، خاصة اذا كان الطرف القوى ، وهو إسرائيل في حالة اتفاقيات أوسلو، هو المُطالب بتقديم التنازلات.
ملخص الحديث ان القوة هي التي حسمت مصير اتفاقيات أوسلو الى الزوال دون رجعة، فهي اتفاقيات ولَّدَتها المصلحة المشتركة في سلام وهدوء وامن للجميع ودَفَنَها منطق القوة من طرف حكومات إسرائيل.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
bassam@panet.co.il.


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق