اغلاق

مقال | الربيع العربيّ بين البحث عن الديمقراطيّة والتمرّد على الأبويّة

عشر سنوات مرّت منذ اهتزّت أركان العالم العربي خاصّة مصر وتونس وليبيا وسوريا وغيرها، عبر ثورات وانتفاضات. واجتاحت ميادينها وشوارعها احتجاجات حمل

 
المحامي زكي كمال

رايتها الشبّان والشابات، الذين غصّت بهم الطرق والساحات، وحفلت بكتاباتهم وسائل التواصل الاجتماعيّ ونُقِشَت شعاراتهم على الجدران، مطالبين بتغيير جذريّ يمكن تلخيصه في أربع كلمات: " حرية، ديمقراطيّة، رفاهيّة ومستقبل"، في حالة اتفق المراقبون والمحللون والمؤرّخون  والمراقبون على تسميتها " الربيع العربي " تفاؤلا أو تيمّنًا وحلمًا بمستقبل أفضل تهب فيه نسائم الديمقراطيّة العليلة ورياح الحريّة المنعشة على دول الشرق التي خضعت شعوبها طيلة عقود لسلطة أنظمة لم ينتخبها الشعب، أو كتلك التي انتخبها بناءً على برامج انتخابيّة تغيّرت وتبدّلت، بل انقلبت رأسًا على عقب بعد فوز المرشحين ووصولهم سدّة الحكم.
وانطلاقًا من كون التاريخ بمثابة ذاكرة الأمم، التي لا تستطيع أمّة أيًّا كانت أن تعيش بدونها وتحديدًا دراسة التاريخ واستخراج الدروس والعبر منه، كما فعلت وتفعل الأمم القويّة التي تسعى للاستفادة من تجاربها الماضية، واستنادًا إلى إيماني التامّ بأنّ مراجعة التاريخ تعطي الإنسان تصوّرًا دقيقًا وواضحًا حول أحداثه وتجاربه، وتعتبر المفتاح والضمان لتجنّب الأخطاء التي وقع بها الأقدمون، أؤكد ضرورة وأهميّة،  بل وحتمية مراجعة ما حدث بنظرة ثاقبة ومدروسة تأخذ من الماضي العبر وتتسلّح بها تمهيدًا لأحداث مشابهة وهزّات ربما يشهدها العالم العربيّ مستقبلا، خاصّة أنّ نتائج هذا الربيع العربيّ على كافّة مناحيها وأبعادها وتأثيراتها تستوجب دراسة وتحليلا، وأنّ انتهاء السنوات العشر يتزامن مع حدث آنيّ أفرزه الربيع العربيّ، وهو الانتخابات الرئاسيّة التي تشهدها ليبيا في الرابع والعشرين من الشهر الحاليّ، كانون الأول، وهي الأولى التي تجري بواسطة التصويت والاقتراع العام في ليبيا، لكنّها ليست وليدة رغبة الشعب الليبيّ ووفق مخطّطاته وحسب ترتيباته، بل إنّها  تتويج لعمليّة سياسيّة " اصطناعية " ترعاها الأمم المتحدة جاءت تعبيرًا عن أزمة تهدّد ليبيا وتنذر بتدهور أوضاعها أكثر ممّا هي عليه اليوم، وربما تقسيمها إلى كانتونات متحاربة عسكريًّا، ولعلّ أكثر ما يؤكّد أنّها ليست نتاجًا إيجابيًّا هو عدد المرشّحين للرئاسة الذي يقارب 30 مرشحًا يتنافسون على  أكثر من 2.8 مليون صوت من أصل 7 ملايين نسمة عدد السكان هناك.

" استخلاص العبر "
وإذا كانت الانتخابات الليبيّة التي تأتي بعد أشهر من حلّ البرلمان في تونس، وهي دولة أخرى وصلها الربيع العربيّ، هي ما تحتلّ العناوين اليوم إعلاميًّا إلا أنّ المطلوب والأهمّ هو مراجعة تاريخ " الربيع العربي " بمهنيّة ودون تحيز، أو تجنٍ أو محاباة، واستخلاص العبر من أحداثه، وطرح الأسئلة الصحيحة وأوّلها : لماذا لم تبادر قيادات الدول العربيّة ممثّلة بجامعة الدول العربيّة إلى لجنة تحقيق دوليّة تحاول الإشارة إلى العوامل والعناصر الخارجيّة المسؤولة عن إثارة وإذكاء نار الربيع العربي لأهداف خاصّة بها، ومن ثم حرف هذا الحدث عن أهدافه ومساره، أو على الأقلّ إلى تحقيق داخليّ نزيه ودراسة معمّقة لتلك الأحداث عامّة ونتائجها خاصّة، وهي تلك التي ستؤثّر على صياغة المستقبل وعلى احتمالات تكرار هذه التجربة، رغم أنّ الكثيرين يؤمنون أنّها ذهبت إلى غير رجعة، وأنّها كانت حدثًا لمرّة واحدة تداخلت فيه الأسباب والأهداف وأفشلته مواقف الأمم المتحدة والدول العظمى وبعض الدول العربيّة الخليجيّة الغنيّة ودول أخرى في المنطقة، اعتبرت الربيع العربيّ فرصة لتحقيق أهدافها وبسط سيطرتها دون أن تأخذ بعين الاعتبار مصالح الشعوب العربيّة وتطلعاتها، إضافة إلى السؤال حول دور الشباب العربيّ في هذه الأحداث ومنطلقات هذا الدور وأسبابه واحتمالات تكراره خاصّة على ضوء نتائجه الماثلة اليوم في العالم العربيّ والدمار السياسيّ والإنسانيّ والاقتصاديّ الذي خلّفه هذا الربيع، وهو دمار لم تفكر الأنظمة العربيّة أو الدول الكبرى بالبدء بإصلاحه، أو بترميمه ويبدو أنّها لن تفعل ذلك أبدًا، رغم أنّ الدول التي " زارها " الربيع العربيّ دون استثناء بحاجة إلى " خطة مارشال خاصّة " لإعادة النهوض بها اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا وحقوقيًّا.

" انهيار منظومات مفاهيم اجتماعيّة "
يؤكّد مقالي هذا أنّ أحداث الربيع العربيّ ونتائجه لم تتوقّف عند تدهور البحث عن الحريّة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان عامّة والمرأة خاصّة سنوات، أو إعادة الجهود التي تمّ بذلها في هذا المضمار سنوات وعقودًا إلى الخلف، أو انفراط عقد القوميّة العربيّة وفقدان  الدول العربيّة حدودها وملامحها السياسيّة والحضاريّة ولحمتها الداخليّة واقترابها بخطىً واثقة من التنازل عن كون القوميّ والمدنيّ والليبراليّ في المرتبة الأولى وإعلاء شأن التوجّهات الدينيّة المتطرّفة وهي بعيدة عن مناقب الإسلام الحقيقيّ وقيمه التي تشكّل دستورًا حياتيًّا ومنظومة قيم دائمة، بل إنّها وصلت حدّ انهيار منظومات مفاهيم اجتماعيّة يمكن اختصارها في المنظومة الأبويّة، أو البطريركيّة، لكن بمفهومها الواسع العائليّ والأُسريّ والسياسيّ والاجتماعيّ والقيميّ، إضافة إلى خطورة صمت أهل الكهف الذي يلف العالم العربيّ ومحلليه ومؤرخيه، ولأسباب واضحة بعيدة عن المهنيّة تتعلّق بانتماءات وولاءات سياسية وفكريّة واقتصاديّة، للمؤرخين والباحثين تمنعهم، خوفًا ورهبةً، من توجيه النظرة الثاقبة لأحداث الربيع العربيّ وتحليلها واستخلاص العبر منها ومحاولة استشراف المستقبل، مقابل تزايد أعداد الأبحاث والكتب التي تتطرق لهذه المرحلة وهذا الحدث في دول العالم المختلفة بدءًا بالولايات المتحدة وانتهاءً بإسرائيل أو بالعكس، مع الإشارة هنا إلى أنّ هاتين الدولتين هما صاحبتا الشأن الأكبر، بعد الشعوب العربيّة، بكلّ ما يتعلّق بأحداث ونتائج الربيع العربيّ، التي يؤمن البعض أن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما كان السبب فيها خاصّة بمطالبته للرئيس المصري حسني مبارك بالتنحّي في شباط عام 2011 بعد اعتصام ميدان التحرير، وقبل ذلك بزيارته مصر في الرابع من حزيران عام 2009 معللا  ذلك بأنّها "  الدولة الأهمّ في عمليّة السلام، وبأنّها تمثّل قلب العالم العربيّ والإسلامي "، وإذا كانت كذلك، أي قلب العالم العربيّ والإسلاميّ، فإنّ ما شهدته خلال الربيع العربيّ ينسحب على غيرها، وأقصد هنا إفساح المجال أمام الحركات الدينيّة باعتلاء سدّة الحكم عبر انتخاب محمد مرسي رئيسًا ( حتى نحّاه عبد الفتاح السيسي ) ممثّلا لحركة الإخوان المسلمين السنيّة ما فتح شهيّة تنظيمات إسلاميّة متطرّفة أخرى ومنها داعش، للاستيلاء على العراق والشام وإقامة الخلافة الإسلاميّة، أمّا إسرائيل فهي المستفيدة من أحداث الربيع العربيّ التي أضعفت الدول العربيّة خاصّة مصر وسوريا وأزالتها من قائمة " دول المقاومة "، وقوّضت أركان العراق وجعلت من إيران قوة إقليمية لها فروع وموطئ قدم في سوريا ولبنان واليمن، وتشكّل تهديدًا إقليميًا لجاراتها الخليجيّات عبر ترسانة نوويّة متدرّجة ما دفع هذه الدول وفي مقدمتها الإمارات والبحرين وبعدها السودان ( بعد الإطاحة بعمر البشير عام 2019 الذي دعمته طهران ) إلى التوقيع على اتفاقيات مصالحة وإنهاء للنزاع مع إسرائيل، كلّ هذا إضافة إلى الأبعاد النفسيّة والاجتماعيّة السلبيّة المترتبة على نتائج هذا الربيع،  إذ أشار استطلاع  مؤسّسة " أصداء بيرسون – مارستيلر " البحثيّة  التي تأسست عام 2000، إلى أن إيمان الشباب في العالم العربي بالديمقراطيّة واحتمالات تحقيقها وممارستها، تراجع بنسبة كبيرة عمّا كانت عليه في العام 2011، ومردّ ذلك ممارسات تيارات الإسلام السياسيّ وتصاعد الحروب الأهليّة والاقتتال الطائفيّ الذي انتشر في العالم العربي على أنقاض آمال  الشبان الذين دفع بعضهم  حياتهم ثمنًا لتحقيق آمال الملايين، لكنّ النتيجة كانت في انتكاسة حقيقيّة قاتلة للآمال، وهو ما عزاه الشباب العرب – من الذكور والإناث على حدّ سواء- الذين تمّ استطلاع آرائهم في مختلف الدول العربيّة بما فيها دول الخليج  ومصر واليمن وسوريا وليبيا وتونس والجزائر والعراق ، إلى عدد من الأسباب السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.
ففي الوقت الذي سادت فيه النظرة الإيجابيّة حول المستقبل بعد الثورات، جاءت النتائج بشكل لا يعبّر عن طموح الكثير من الشباب بعد تلاشي مطالبهم واختفاء ممثلّيهم وممثّلاتهم من النساء خاصّة، عن المشهد السياسيّ، وتدهور أوضاع حقوق الإنسان، إضافة الى الصعود المفاجئ لتيّارات الإسلام السياسيّ في دول الثورات العربيّة والدول المجاورة، وانتهاجها الممارسات الدكتاتوريّة ذاتها، وانفرادها بالسلطة، ومنعها تحقيق طموحات الشباب التي وإن كانت سياسيّة في ظاهرها إلا أنّها أعمّ وأَشمل في جوهرها فهي حقوقيّة وحياتيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وتشغيليّة، بل إنسانيّة كانت تعبيرًا عن ظاهرة قوامها تمرّد الشباب العربيّ على مظاهر الأبويّة – البطريركيّة- بكلّ ملامحها ومداراتها الصغيرة والضيّقة أسريًّا والأوسع سياسيًّا محليًّا فالأوسع على الإطلاق عالميًّا وإقليميًّا، كما تؤكّد الكاتبة والباحثة الدكتورة رونيت مرزان في كتابها الذي عنونته " الأب والابن والروح الثوريّة "، وحاولت فيه تقديم تفسيراتها للربيع العربيّ وضعف الديمقراطيّة في العالم الإسلاميّ، معتبرةً أنّ ثورات الربيع العربي بدءًا من 2011 تجسّد تمرّدًا على النظام البطريركيّ بكلّ معانيه: الأب البيولوجيّ في البيت، والأب الحاكم في السلطة التي تحكم النظام، والأب الغربيّ، مستندةً إلى ما نشر في شبكة الإنترنت وعلى القصائد ورسومات الجدران وغيرها من الأمور، مؤكّدة أنّ المبنى الاجتماعيّ الأبويّ ( البطريركي ) السائد في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة والقائم على هرم اجتماعّي يقف على رأسه الرجال يحول دون نمو وتطوّر الديمقراطيّة بدوائرها الضيقة والواسعة المحليّة والإقليميّة والعالميّة، كما أنّ هذا النظام في الشرق يحظر عمليًّا التطرّق إلى المشاعر عبر صياغته في المجتمعات العربيّة  معايير ثقافيّة تحدّد مساحة المشاعر الشخصيّة، وتقرّر  متى يسمح بالغضب، وعلى من نغضب، وممّن يجب أن نخاف، وهل يسمح لنا بالبكاء، وماذا يعني بكاء الرجل، ومتى على المرأة أن تبتسم، أو تغضّ الطرف، مستشهدة بالتجارب والمراجعات التاريخيّة التي تشير إلى أنّ الديمقراطيّة قد تطوّرت في العالم الغربيّ بعدما نجح في تغيير النظام الأبويّ، وأنّه طالما بقي الأب البيولوجيّ والأب السلطويّ المحلي ( العربي ) والأب السلطويّ الغربيّ ( الدول الكبرى ) يملون مواقفهم على الجمهور  في الدول العربيّة، وطالما بقي الجمهور ينصاع لهم  فلن تقوم الديمقراطيّة، ولن تتحقق الحقوق خاصّة للنساء اللواتي صدمت مشاركتهن الواسعة في ثورات الربيع العربيّ الأنظمة السلطويّة التي كانت تتوقع أن تظلّ النساء حذرات، وألا يشاركن في مظاهرات شعبيّة، علمًا أنّ مشاركة النساء في احتجاجات عام 2011  أربكت الديكتاتوريات وأجهزة الاستخبارات، حيث أظهرت مدى الرفض الشعبيّ لهذه الكيانات وساهمت في سقوط العديد من الأنظمة القمعيّة بسرعة، كما كشفت عن الدور الهامّ الذي يمكن أن تلعبه المرأة في السعي نحو  التغيير الرافض لأيّ إصلاح سياسيّ ذي معنى ما دامت هناك أنظمة سلطويّة مليئة بالمحسوبيّة والفساد والرشوة، وبالتالي فإنّ مرزان تعزو ازدياد العنف ضدّ الناشطات السياسيّات والاجتماعيّات في الدول العربيّة وحالات قتلهن بدعوى ممجوجة هي  خلفيّة ما يعرف بـ " شرف العائلة " إلى أنّها تشكّل غطاءً لمحاولات قمعهن وقتلهن، لأنّهن يطالبن بتغيير النظام الأبويّ ويتحدينه، وهذا التغيير يجبي منهن ثمنًا باهظا، يدفعه أيضًا الشبان الذكور في الدول العربيّة الذين  ينتابهم الإحباط جرّاء ما يحدث، فهم يبحثون عن مستقبل أفضل. ولذلك، يذهبون للغرب ويتعلّمون في جامعاته ويتشّربون قيمه الليبراليّة، وعند عودتهم يصطدمون بأنظمة استبداديّة تدعمها دول الغرب ضمن موقفها المنافق، الذي يتجلّى بصمتها إزاء ما يحدث في اليمن والعراق وتونس والجزائر وليبيا، وبشكل أخطر في سوريا، إذ تتحمّل جهات كثيرة مسؤوليّة ما تشهده سوريا منها الدول العظمى، وأنّ الغزو الأمريكيّ للعراق انطوى على خطأ كبير بعد إسقاط صدام حسين، وأدّى لظهور تنظيم "داعش". إضافة إلى الدور الذي لعبته قطر في بداية أحداث الربيع العربيّ عام 2011 في مصر بمشاركة أميرها تميم بن حمد آل ثاني والشيخ يوسف القرضاوي والدكتور عزمي بشارة، عبر دعم حركة " الإخوان المسلمين " سياسيًّا وماليًّا ( وهو ما تواصله اليوم عبر الأموال القطريّة لحركة " حماس " في قطاع غزة)، ناهيك عن الدور الذي لعبته قناة الجزيرة التي بثت أحداث ميدان التحرير ببث مباشر، ومنحت مساحات غير محدودة من بثّها لمناوئي الرئيس المصريّ حسني مبارك ومؤيّدي الثورة – حتى قرّرت السلطات إغلاق مكاتب الجزيرة هنا- ودورها المماثل في سوريا، إضافة إلى الدور البارز الذي لعبه عبر الجزيرة الدكتور عزمي بشارة النائب السابق في البرلمان الإسرائيليّ، والذي غادر اسرائيل وسط شبهات أمنيّة تدعيها اٍسرائيل، ويقيم في قطر،  كجزء ممّا قامت به " الجزيرة " منذ إقامتها وخاصّة خلال السنوات العشر التي سبقت الربيع العربيّ من استغلال لضائقة الشباب العربيّ بشكل متواصل بهدف إسقاط أنظمة الحكم في الدول العربيّة.

" طرح الأسئلة الصحيحة "
يضاف إلى ذلك، أن بعض الدول ومنها تركيا وإيران اعتبرت الربيع العربيّ وقلاقله لحظة مواتية لتفكيك الدول القومية العربيّة وإعادة بناء الإمبراطوريّة التركيّة أو الفارسيّة. وترى الباحثة مرزان في كتابها الجديد أنّ ضعف الدول العربيّة خلال الربيع العربيّ وارتفاع دور تركيا وإيران شجّعا دول الخليج على التحرّك نحو التطبيع مع إسرائيل، لأنّ هذه الدول تعتبر إسرائيل دولة قويّة يمكن معها صدّ توجّهات السيطرة التركيّة والإيرانيّة.
طرح الأسئلة الصحيحة يتطلّب الجرأة هنا في هذه الحالة، خاصّة أنّ بعضها يتطرّق أحيانًا إلى ما يمكن اعتباره من " المحرّمات " وأقصد السؤال المتعلّق بالجدل حول العلاقة بين المجتمعات العربيّة والديمقراطيّة وبين مواقف وممارسات التنظيمات الإسلاميّة والديمقراطيّة، وهو الجدل الذي تطرّق إليه الكاتب والمعارض السعوديّ عدنان الخاشقجي قبل ستة أشهر من اغتياله في إسطنبول في تشرين الأول 2018 ، أي قبل ثلاث سنوات ونيف، وقال عنه إنّ الثورات العربيّة وضعت حدًّا بشكل قاطع للرأي السائد بأنّ العرب والديمقراطيّة لا يلتقيان، مضيفًا أنّه انتهى الجدل حول العلاقة بين الإسلام والديمقراطيّة بشكل نهائيّ مع قدوم الربيع العربيّ وهو رأي يخالفه فيه البعض.
رغم ما سبق، هناك من يعتقد أنّ عشر سنوات ربمّا غير كافية بالقدر الكافي لدراسة أبعاد ونتائج الربيع العربيّ، ومنهم الباحث نواح فيلدمان الذي نشرت له جامعة برنستون كتابًا بعنوان " الشتاء العربي / تراجيديا " يقول فيه إنّ هناك أفكارًا خاطئة عن الربيع العربيّ، وإنّ الغاية منه كانت إنهاء الديكتاتوريّة ومنح الحكم الذاتيّ للشعوب في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ويقول :" كان الهدف السياسيّ الأساسيّ للربيع العربيّ، إبراز أشخاص يتكلّمون العربيّة، ويتصرّفون  بشكل مستقلّ تمامًا في صناعة تاريخهم  وتحديد مصيرهم والتاريخ بشكل عام " ، لكنّ الأمر انتهى في كلّ مكان باستثناء تونس، إلى تجديد الديكتاتوريّة، أو الحرب الأهليّة أو الإرهاب المتطرّف، ورغم ذلك - حسب رأيه- لم يكن الربيع العربيّ فشلا ذريعًا، ولا فشلًا حتميًّا، فهي المرّة الأولى في تاريخ الشرق الأوسط الحديث التي قامت بها الشعوب العربيّة، بعمل سياسيّ جماعيّ حرّ، وسعت لتحقيق تقرير المصير.
وبما أنّ الشيء بالشيء يذكر، فإنّ " تحطيم النظام الأبويّ – البطريركي " هو أحد أسباب ازدياد مظاهر العنف في المجتمعات العربيّة، نتيجة لانهيار سريع وغير مدروس للمنظومات الاجتماعيّة التي ضبطت تصرّفات ومواقف أفراد المجتمع، دون إيجاد منظومات بديلة تحكم التصرّفات وتضع الضوابط، وهو الحال في مجتمعنا العربيّ في البلاد الذي ضعفت فيه أواصر السلطة الأبويّة، أو اتّفق الجيل الشاب على استبدالها بمفهومها الضيّق أسريًّا ومحليًّا، أي سلطة الأب البيولوجيّ.
يضاف إلى ذلك التمرّد، أو رفض السلطة الأبويّة السياسيّة للحكومات المتعاقبة التي انتهجت التمييز ضدّ العرب عبر تشريعات وقرارات وعملت على إقصائهم، وفي النهاية الترحيب بالسلطة الأبويّة الغربيّة تكنولوجيًّا، وخوض تجربتها علميًّا عبر الدراسة في الخارج، ومن ثمّ العودة إلى مجتمعنا بكلّ ما يعانيه وما يترتب على ذلك من إحباط وقنوط، جرّاء انعدام آفاق التقدّم والنجاح المهنيّ والاقتصاديّ والشخصيّ وربما الجماعيّ، تجد تعبيرها عبر استخدام العنف داخليًّا وخارجيًّا.
كان الربيع العربيّ والتمرّد على الأبويّة منحدرًا انزلقت فيه الدول العربيّة إلى جحيم الحروب الأهليّة والنزاعات والصراعات والتفكّك والتشرذم، وأصبح " شتاءً متجمّدًا وخريفًا لا حياة فيه ". أمّا تمرّد مجتمعنا هنا على الأبويّة وطلاقها طلاقًا بائنًا دون بديل وضوابط فإنه، ورغم أنني أمقت الأبويّة الشرقيّة السياسيّة والاجتماعيّة والأسريّة والمهنيّة، المنزلق إلى العنف الذي نحن فيه نتيجة فراغ يخلفه انحسار الأبويّة، دون أن تملأ هذا الفراغ منظومة وضوابط، ما يؤدي إلى فراغ قاتل، يقتلنا حرفيًّا وبشكل يوميّ.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
[email protected].


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق