اغلاق

مقال | العلاقة بين مفاوضات جنيف النوويّة وعِبَر بيرل هاربر التاريخيّة

لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، التي حملت اتهامات لرئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، وشملت شتائم ولعنات وصفته بأنّه خان الصداقة

 
المحامي زكي كمال

ولم يردّ المعروف بالمعروف، تصريحات عاديّة، رغم أنّها ليست المرّة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يعرب فيها زعيم سياسي عن خيبة أمله من زعيم آخر، ويتهمه بالجحود وقلّة الوفاء، لكنها بتوقيتها الذي تزامن مع الجولة السابعة من المفاوضات النوويّة بين إيران والدول الأوروبيّة والأمم المتحدة وبغياب الولايات المتحدة، والذكرى الثمانين للهجوم على بيرل هاربر، والذي دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية بعده مباشرة، كانت رمية من غير رامٍ ( كما قال حكيم بن عبد يغوث المنقريّ )، كشفت المستور وفضحت السرّ الذي كان معروفًا للجميع وهو أنّ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لم يكن قرارًا أمريكيا، بل كان " منّة " من ترامب ومعروفًا أسداه  لنتنياهو، بل أكثر من ذلك فإنّه قول كان بمثابة تأكيد  للقول " وقطعت جهيزة قول كلّ خطيب "، وكانت الدليل لكلّ من ساورته الشكوك أنّ الولايات المتحدة كانت عبر قرارها هذا " مقاولا ثانويًّا " لإسرائيل في الشأن النوويّ الإيرانيّ، وأنّ قرارات واشنطن في هذا الشأن كانت تتخذ في تل أبيب، وأنها كانت قرارات تتخذ استنادًا إلى مصالح دول أخرى ليست أمريكا، خطوات تتم دون معرفة الأسباب، بل هي فقط عربون صداقة.

" تهديدات واضحة "
إنّ تزامن نشر هذه التصريحات مع زيارة وزير الأمن بيني غانتس إلى الولايات المتحدة وما سبقها من تصريحات اسرائيليّة كانت بمثابة تهديدات واضحة وصريحة بداها رئيس الموساد الجديد دافيد برنياع، الذي قال بأنّ جهازه ملتزم بمنع إيران من امتلاك سلاح نوويّ، لا في القريب العاجل ولا على المدى البعيد، مضيفًا أنّ هذا هو تعهّد الموساد الذي سيبذل مع أجهزة الأمن الأخرى كلّ جهد مستطاع لإحباط هذا التهديد وإبعاده عن إسرائيل مؤكّدًا أن إسرائيل ستواصل الأنشطة التي تقوم بها، بما في ذلك الأعمال السريّة التي ترد في تقارير وسائل الأعلام الأجنبيّة، مشيرا إلى أنّ ذلك لا علاقة له بالمفاوضات التي يمكن إجراؤها بالتوازي، وأنّه على دراية تامّة بمختلف مكوّنات البرنامج النوويّ الإيراني الذي سيستمرّ في مواجهة القوة الكاملة لذراع الموساد الذي يعرف أنّ إيران أكثر تقدّما من أيّ وقت مضى نحو تطوير سلاح لتدمير الإبادة الجماعيّة. وواصلها بعده رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي  الجنرال أفيف كوخافي الذي قال إنّ الجيش الإسرائيلي يواصل حاليًا عملية ملاءمة الوحدات العسكرية جميعها في الحاضر والمستقبل لمواجهة إيران، عبر عمليات تحديث وشراء وأنّ الجيش الإسرائيليّ يعجّل خططه العمليّة وجاهزيّته في مواجهة إيران ومع التهديد النوويّ العسكريّ، يشير إلى أنّ الأمور السياسيّة وتحديدًا منطلقات مواقف أمريكا في هذا الشأن باتت واضحة أكثر للطرفين الإسرائيلي والأمريكي وخاصة الإسرائيلي.
وهذا ما دفع بممثّلي إسرائيل على مختلف مناصبهم السياسية والعسكرية بدءًا برئيس الوزراء الذي زار الإمارات العربيّة المتحدة هذا الأسبوع، مطلقًا تصريحات ضبابيّة عامّة تتحدّث عن تعزيز التعاون في كافّة القضايا وتعزيز العلاقات الثنائيّة، وهي تصريحات تخفي تحت غبار ضبابيّتها، قلق إسرائيل من تغيّر الأوضاع الإقليميّة تجاه النوويّ الإيرانيّ، وذلك على ضوء التقارب الإيراني الإماراتيّ وزيارة طحنون بن زايد ( الذي تربطه برئيس الموساد السابق يوسي كوهين علاقات وطيدة انعكست في منح ابنة كوهين منصبًا هامًّا في شركة يملكها بن زايد تعنى بالتقنيات الأمنيّة والإلكترونيّة ) والتقارب السعوديّ الإيراني ( لقاءات سعوديّة إيرانيّة في الأردن)، وقلق أمريكيّ انعكس في أنّه وبالتزامن مع زيارة بينيت، وصل مسؤول رفيع في وزارة الخزانة الأمريكيّة إلى أبو ظبي للضغط على شركات ومصارف إماراتية للامتثال للعقوبات على إيران.

" صدام اقتصاديّ دبلوماسي "
وكل إضافة إلى التغيير العالميّ في هذا الشأن، والذي تعكسه مواقف إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن التي تفضّل استنفاذ كافّة الطرق والوسائل والمحاولات للتوصّل إلى اتفاق يمنع إيران نووية ويجنّب المنطقة والعالم خطر مواجهة عسكريّة، أو صدام اقتصاديّ دبلوماسي قوامه استمرار العقوبات الاقتصاديّة على طهران، والتي أثبتت أنّها غير مجدية، استنادًا إلى تجربة السنوات التي تلت انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق عام 2018 استجابة لطلب نتنياهو، بل وتنفيذًا لرغباته، مع الإشارة إلى أنّ واشنطن، ورغم أنّها طلبت من إسرائيل عدم مفاجأتها بأيّ عمليّات للموساد في إيران خلال المفاوضات في فيينا، وأنّ الأمريكيين يطالبون إسرائيل، أن لا تتم مفاجأتها بعمليّات سريّة، ما زالت تؤكد أنّها لن تسمح لإيران بامتلاك أسلحة نوويّة، وأنها عازمة على الاتجاه إلى تشديد العقوبات على إيران بسبب المماطلة في المفاوضات حول الاتفاق النوويّ، في وقت كثّفت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل الضغوط على طهران، بالتلويح بتبعات اقتصاديّة أو عسكرية إنّ أخفقت الدبلوماسيّة، ما يؤكّد أنّ واشنطن تدرك حقيقة غابت سهوًا أو عمدًا عن إسرائيل، وهي أنّ المفاوضات هي الحلّ، وأنّ إسقاط نظام الحكم المتدين في إيران هو مهمّة مستحيلة وغير ممكنة حاليًّا رغم المظاهرات والاحتجاجات التي تشهدها إيران منذ العام 2018 جرّاء الأوضاع الاقتصاديّة الصعبة وتدهور سعر العملة الإيرانيّة وارتفاع أسعار النفط وغيره، علمًا أنّ أمريكا أكّدت أمام إسرائيل بكلّ مسؤوليها الذين زاروا واشنطن فعليًّا أو تحدّثوا إلى المسؤولين السياسييّن والعسكريّين في واشنطن، اعتقادها بأنّ الهجمات السيبرانيّة والأخرى التي وقعت في مفاعل نتانز وشبكة محطات الوقود في إيران وميناء بندر عباس، لم تخفف من إصرار إيران على امتلاك أسلحة نوويّة، بل ربّما دفعت النظام في طهران إلى مزيد من التعنّت والصبر على العقوبات الاقتصاديّة التي تريدها إسرائيل أشدّ قسوة وأطول وقتًا. مع الإشارة إلى أنّ النظام الحالي في إيران أظهر خلال فترة العقوبات صبرًا وتماسكًا، إضافة إلى أنّ " المعركة البحريّة ما بين الحروب " توقّفت بعد أضرار تكبّدتها إسرائيل وإيران خاصّة، وأنّ إسرائيل أدركت أنّه ليس بإمكانها حماية كافّة السفن الواصلة إليها أو المغادرة منها، أو التي يملكها إسرائيليّون.

" وضع جديد "
وهكذا تجد إسرائيل نفسها اليوم أمام وضع جديد تخلخلت فيه التحالفات الإقليميّة التي يبدو أنّها كانت في خيال ومخيلة رئيس وزرائها السابق وهمًا وسرابًا، فها هي العلاقات بين إيران والخليجيّات تشهد تحسّنًا ملموسًا تبتعد معه عن التهديد، أو التلويح أو التلميح إلى صدام عسكريّ مع إيران، وهي حالة تعتبرها إسرائيل أقلّ مثاليّة تمنعها من استغلال مكانتها في الشرق الأوسط كحليفة لواشنطن وحامية لهذه الدول الخليجيّة من بطش إيران وتمدّدها وسيطرتها، ناهيك عن أن تغيّب أمريكا وجاهيًّا عن المفاوضات يفسح المجال أمام تفسيرات واجتهادات أوروبيّة وأمميّة لمواقف إيران، تعني أحيانًا تخفيف حدّتها، أو منحها تأويلات أقلّ شدة، رغم أنّ  الأوروبيّين أعلنوا عن خيبة أملهم وقلقهم إزاء المطالب الإيرانية، إذ قال دبلوماسيون كبار من فرنسا وألمانيا وبريطانيا إنّ طهران تتراجع عن كلّ التسويات التي تمّ التوصّل إليها، خلال الجولة الأولى من المفاوضات، مندّدين بمواقف معيّنة لطهران اعتبروها خطوة إلى الوراء، وأكّدوا ضرورة أن تعمل كافة الأطراف انطلاقًا من نصوص جرت مناقشتها قبل خمسة أشهر، بينما قال مسؤولون إيرانيّون إنّهم متمسّكون بالموقف الصارم الذي اتخذوه الأسبوع الماضي، عبّر عنه كبير مفاوضي إيران، علي باقري كني، الذي أكد أنّ بلاده ملتزمة بالموقف الذي أعلنته الأسبوع الماضي عندما انفضت المحادثات مع مسؤولين أوروبييّن وأمريكيّين اتهموها بطرح مطالب جديدة، والتراجع عن حلول وسط تمّ التوصل إليها في وقت سابق من العام.
يبدو أنّ الانتقادات التي تطال المواقف المتشددة التي يبديها الوفد الإيرانيّ المفاوض خلال المفاوضات في جنيف، لا تقتصر على الدول الغربيّة، بل إنّها تصل أوساطًا أخرى في إيران ليست معدودة على المعارضة، بل إنّها عضو وجزء لا يتجزأ من السلطة ومنها الدكتور مصطفى علايي، سفير إيران الأسبق في فنزويلا، ومندوب إيران في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي كتب في موقع " اعتماد " الإلكترونيّ أنّه لا يمكن لإيران مطالبة الولايات المتحدة برفع كافّة العقوبات الاقتصاديّة التي فرضتها منذ العام 2018 وفي الوقت ذاته رفض الحديث مباشرة إلى الوفد الأمريكيّ، وأضاف أنّه على المفاوضين الإيرانيّين إبداء المرونة وفهم أسس السياسة الدوليّة والعلاقات الدوليّة، كما قال أنّه يجب معرفة أسس العلاقات الدوليّة ومعرفة التهديدات الحقيقيّة وليست الافتراضيّة والمتخيّلة، مؤكّدًا أنّه لا يمكن لإيران مواصلة نهجها الحالي من حيث الاعتماد على القوة والتلويح فيها والتهديد باستخدامها، على شاكلة التهديدات المتكرّرة باستخدام الصواريخ بعيدة المدى لهدم المنشآت الحيويّة في إسرائيل بما فيها المطارات والمصانع العسكريّة وغيرها، أي التنازل عن التصريح دائمًا بأنّ إيران قويّة، لأنّ جيشها قويّ، وذلك انطلاقًا من كون العلاقات الدوليّة أعمّ وأشمل، فهي اقتصاديّة وسياسيّة وعلميّة وإنسانيّة لا يمكن بناؤها على العداوة الدائمة والتهديد المتواصل، فللقوة حدود وللتهديد مفعول يخفّ تدريجيًا كلّما تكرّر التلويح به. إضافة إلى أنّه يحذّر من خطورة الفكر السائد اليوم في إيران من أن تعزيز العلاقات مع الصين اقتصاديًّا وعسكريًّا وسياسيًّا يمكن أن يشكّل بديلا عن العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة مشيرًا إلى أنّ هناك نقاط مفصليّة في التاريخ السياسيّ والدوليّ تتخذ فيها الدول قرارات بإقامة علاقات دبلوماسيّة جيّدة مع دول أخرى من منطلق المصالح المشتركة (هل يشير هنا إلى إسرائيل وإعادة العلاقات معها إلى سابق عهدها كما كانت خلال حكم الشاه قبل 1979 ؟ ). بينما يؤكّد أهمّية العلاقات مع روسيا بتحفّظ قوامه أنّ روسيا استغلّت الظروف أكثر من مرّة للمسّ بمصالح إيران وتحقيق إنجازات إقليميّة تلحق الضرر بها (حالة إيران في سوريا مثال جيّد على ذلك)، دون أن ينسى دور الولايات المتحدة السيّئ حسب رأيه منذ إسقاط حكومة محمد مصدق عام 1953 ودعم حكم الشاه حتى سقوطه. 

" تهديد وجودي "
وبمحض الصدفة جاءت أحداث الجولة السابعة من المفاوضات من جهة وتصريحات ترامب بأنّه قام بخطوات سياسيّة من أجل الآخرين وتلبية لطلب آخرين، متزامنة مع الذكرى السنوية الثمانين للهجوم الذي شنّته مئات الطائرات الحربيّة اليابانيّة في السابع من كانون الأول، عام 1941 على الأسطول الأميركيّ في جزر هاواي في المحيط الهادي. وهي الذكرى التي قالت  فيها الكاتبة الأمريكيّة إليزابيث ساميت إنّ إحياء الأميركيّين الذكرى الـ80 لهجوم بيرل هاربر هي خطوة تكشف الكثير عن فهم الأميركيّين أنفسهم في الوقت الحاضر وعن دور بلادهم في العالم، خاصّة في وقت يحاولون فيه أيضًا فهم خروجهم من أفغانستان، مؤكّدة أنّ الحرب العالميّة الثانية ،التي انخرطت فيها أمريكا بعد الهجوم،  تعدّ "انحرافًا" من نواح عديدة، كانت أبرز تجليّاته هو التهديد الوجوديّ الذي شكلّته، من وجهة نظر الأمريكيّين،  آنذاك الفاشية بالنسبة للأمّة الأمريكيّة، والحاجة الملحّة لدخول الولايات المتحدة الحرب وحسم انتصار الحلفاء، وهو ما لم يكن موجودًا في الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة خلال السنوات الـ20 الماضية في العراق وأفغانستان، والتي لم تشكّل في نظر المواطن الأمريكي العادي حروبًا جاءت للدفاع عن أمنه القوميّ والشخصيّ، بل ربما كانت محاولة أمريكية لخوض حروب لمصلحة دول أخرى وشعوب أخرى ( دول الخليج وإسرائيل في حرب الخليج الأولى والثانية )،  وكذلك في أفغانستان  حتى جاء جو بايدن، ليعلن انسحاب القوات الأمريكيّة من هناك تيقّنًا منه بأنّ أمريكا ليست مضطرّة لخوض حروب من أجل الآخرين حتى لو كانوا من أقرب الحلفاء، ما يعني نهاية فترة برز فيها التزام أمريكا مرارًا وتكرارا بإرسال المزيد من الجنود الأمريكيين للموت في مناطق مثل العراق وأفغانستان .
ما سبق يحتّم عمليًا فحص أوجه الشبه بين وضع أمريكا عشية الحرب العالميّة الثانية وتحديدًا الهجوم على بيرل هاربر، وبين وضعها اليوم مقابل إيران وروسيا والصين. ففي المرّة السابقة، تمثّلت هذه القوى المعادية الثلاث في ألمانيا في أوروبا، واليابان في آسيا، وإيطاليا في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا، مع الإشارة إلى أنّه منذ اندلاع الحرب العالميّة الثانية في 1 ايلول 1939 إلى 8 كانون الأول 1941، كانت الولايات المتحدة محايدة رسميا، إذ إنّها التزمت بقوانين الحياد المتمثّلة بعدم الانخراط في النزاعات المشتعلة في أوروبا وآسيا لكنّ هذا الحياد انتهى في 7 كانون الأول 1941، بعد أن أطلق اليابانيّون هجومهم المباغت على القاعدة البحريّة الأمريكيّة في بيرل هاربر، والذي اتضح بعده أنّ أمريكا فقدت 21 سفينة ما بين تحطّم وغرق، كما دُمرت 188 طائرة أمريكيّة، وقُتل 2,403 أشخاص.

" الخيار بعد الأخير "
وكلّ هذا حين كانت الولايات المتحدة واليابان منخرطة رسميًّا في مفاوضات دبلوماسيّة للتوصل إلى سلام محتمل في آسيا- تمامًا كما هو الحال بين إيران وأمريكا اليوم، ليعلن الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، أنّ الهجوم هو مؤشّر تاريخ سيُذكر بالخزي، وبعد ساعة من خطاب روزفلت، أعلن الكونغرس الحرب على اليابان وسط غضب واستنكار حيال الهجوم، وموت آلاف الأمريكييّن، وخداع اليابان للولايات المتحدة من خلال الدخول في محادثات دبلوماسيّة أثناء تخطيط وتنفيذ الهجوم. أمّا اليوم فأمريكا تواجه القوى الثلاث وهي: روسيا التي ربما تقْدم على غزو أوكرانيا قريبًا في تحدٍّ صارخ لإدارة الرئيس الأمريكيّ جو بايدن، والصين التي تبني آلة  اقتصاديّة وحربيّة، استعدادًا للاستيلاء على تايوان، وأخيرًا إيران التي حوّلت لبنان وسوريا وأجزاء من العراق وغزة واليمن إلى دول وكيانات موالية لها، بينما تقترب من عتبة التحول إلى دولة نووية، إذ عمدت إيران إلى استغلال الفوضى التي أعقبت " الربيع العربي " وانسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط لتسليح وتشجيع من يعملون عنها بالوكالة من " حماس " مرورًا بـ" حزب الله " وصولًا إلى الحوثيين، والخلاف هنا أيديولوجيّ أيضًا حيث ترفض روسيا والصين وإيران فكرة النظام الدوليّ الليبراليّ من أساسها، كما ترفض أيضًا الديمقراطيّة وحقوق الإنسان كمُثُل سياسيّة.
إذًا، بين الجولة السابعة للمفاوضات النوويّة وبين الذكرى الثمانين لبيرل هاربر، خطّ واضح فيه بعض وجوه الشبه وكثير من الاختلافات، فالولايات المتحدة اليوم أكثر انكفاءً على ذاتها، وأقلّ رغبة في خوض مغامرات حربيّة وعسكريّة لمصلحة غيرها، أو دعمًا لغيرها إلا ما ندر.
وفي هذا رسالة لإسرائيل مفادها أنّ الخيار العسكريّ بالنسبة لأمريكا في مواجهة إيران النوويّة هو الأخير أو ربما " بعد الأخير "، وأنّ أمريكا لن تسمح لأحد بجرّها إلى حرب لا تريدها بخلاف ما حدث في حرب الخليج الأولى والثانية. لكنّ الخيار العسكري ليس بعيدًا عن ذلك، وليس مستبعدًا إذا ما أدركت واشنطن أنّ إيران النووية تشكّل خطرًا على مصالحها القومية أو حتى الإقليميّة خاصّة إذا اختلط السياسيّ بالاقتصاديّ والعسكريّ، كما هو الحال اليوم بين الصين وإيران، والنوويّ بالإقليميّ العسكريّ والجغرافيّ، كما هو الوضع في سوريا بين روسيا وإيران وتركيا، والتهديدات التي قد تشكّلها طهران النوويّة على دول الخليج وإسرائيل.
أمريكا اليوم هي دولة الخيارات والإمكانيات غير المحدودة وغير المحصورة، أو الواضحة والمعلنة مسبقًا سياسيًّا وعسكريًّا. وهو الحال في علاقتها مع روسيا في الشأن الأوكرانيّ ومع الصين في الشأن الاقتصاديّ ومع إيران نوويًّا، وهذا مصدر ما قد تعتبره إيران الحاليّة خطأ ضعفًا إلا أنّه يتضح كقوة في نهاية المطاف، وهي بخلاف أيام بيرل هاربر ليست محايدة، بل منحازة تمامًا وبالكامل لمصالح واهتمامات واحدة فقط.. اهتماماتها ومصالحها هي فقط.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
[email protected].


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق