اغلاق

التكامل المطلوب بين توفير الميزانيّات وتغيير التوجّهات والسياسات

انقضت ستّة أشهر ونيّف منذ منحت الكنيست الثقة للحكومة الإسرائيليّة الجديدة برئاسة نفتالي بينيت في الثالث عشر من حزيران 2021، والتي سمّيت بحكومة التغيير.

 
المحامي زكي كمال


ويبدو أنّها فعلا كذلك في بعد واحد على الأقلّ، فبعد أن غيّرت قواعد اللعبة السياسيّة بانضمام حزب عربيّ هو القائمة العربيّة الموحّدة برئاسة الدكتور منصور عباس،  إلى الائتلاف الذي أقيمت الحكومة وفقه وبنيت عليه، وذلك لأوّل مرّة منذ قيام إسرائيل عام 1948، فإنّها غيرَّت قواعد اللعبة البرلمانيّة، من ناحية خلق واقع جديد لم ينقشع فيه غبار الانتخابات، رغم مرور نصف عام على تشكيل الحكومة، بخلاف المرّات السابقة، ولم تخفّ حتى حدّة الاتّهامات والمناكفات، بل يبدو أنّها تزداد كلّما طال عمر هذه الحكومة ثُمانيّة الأضلاع متناقضة المواقف والانتماءات، التي راهنت المعارضة، وهي غريبة التركيب بين ليكود ومتديّنين قوميين متطرفين كإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش من اليمين والقائمة المشتركة من اليسار، على أنّها لن تُطيل عمرًا، فرشقتها بل قصفتها بسيل من التهم بدأت يمينًا من أنّ بينيت باع دولة إسرائيل، وتنازل عن الثوابت اليهوديّة لصالح القائمة الموحّدة ومنحها عشرات المليارات لضمان جلوسه على كرسي رئيس الحكومة، وانتهت يسارًا ( لدى المشتركة) بأنّ الموحّدة  باعت الثوابت القوميّة وتنازلت عنها لبينيت مقابل الأموال والميزانيّات.
يعتبر هذا التناقض أفضل تعبير على أنّه بين السياسة والاقتصاد علاقة شاملة وروابط قويّة قد تجعل كلّ منها في خدمة الآخر فتنجح السياسة، بشقيها البرلمانيّ والحكوميّ، وينمو الاقتصاد.
كما أنّ ذلك يؤكّد أنّ لا ميزانيّات كافية وحقيقيّة ومضمونة، خاصّة ضمن النظام البرلمانيّ الإسرائيليّ، دون مشاركة في الائتلاف فعلًا أو من الخارج، ولا سياسة مسموعة دون اقتصاد قويّ، أي أنّ فرص الاستجابة لمطالب الوسط العربيّ السياسيّة والأخرى ستزداد ، إذا ما ازدادت وارتفعت قيمته ومساهمته وأهمّيّته الاقتصاديّة والأكاديميّة، وإذا ما زاد اندماجه ضمن المرافق الاقتصاديّة العامّة والخاصّة، وفي مقدّمتها الصناعات المتقدّمة، الهايتك.

" تجارب تاريخية "
لقد أثبتت التجارب التاريخيّة أنّ السياسات الجيّدة والذكيّة داخليًّا تؤدّى إلى الانتعاش الاقتصاديّ، فالوصول إلى نموّ اقتصاديّ متسارع يتطلّب سياسات واضحة ثابتة ومدروسة ومعلنة سواء كانت حكوميّة أو تشريعيّة أو تخطيطيّة يستمدّ منها الاقتصاد مقوّمات نموّه، وهذا ما ينطبق على الخطّة الاقتصاديّة الجديدة  للمجتمع العربيّ، التي ما زال النقاش حولها دائرًا ومستعرًا بين مؤيّد يعتبرها حبل الخلاص وبين معارض يعتبرها تنازلًا لا مبرر له من الموحّدة لبينيت ومن بينيت للموحدة، وبين متفائل يؤكّد أنّها ستنجح وستنقل المجتمع العربيّ نقلة نوعية كبيرة وبين رافض يؤكّد أنّها ستفشل خاصّة وأنّ تنفيذها لا يرتبط بهيئة واحدة، أو جسمٍ واحدٍ فقط، بل إنّه يتطلّب التنسيق بين الاقتصاد والسياسة وبين الميزانيات والتوجّهات،  فضلًا عن التعاون بين الوزارات كافّة.
من هذا المنطلق تنبع أهميّة هذه الخطّة التي تحمل اسم "تقدُّم"، بميزانية تبلغ 29.5 مليار شيكل، وترافقها خطّة لمكافحة الجريمة والعنف في المجتمع العربيّ بميزانية 2.5 مليار شيكل(32 مليار شيكل معًا)، وهي خطّة تختلف عن سابقاتها بأنّها ولأوّل مرّة تضمّ البلدات العربيّة التابعة للمجالس الإقليميّة، وكذلك المواطنين العرب في المدن المختلطة، إضافة الى إدخال مجالات لم تكن في الخطّط السابقة منها الصحّة، الرفاه، الأمن الاجتماعيّ، الشباب، الزراعة، الهايتك والألياف البصريّة، فأهميّتها تنبع من أنّ صياغة الخطّة تمّت بمشاركة 21 وزارة حكوميّة، وليس من وزارة واحدة، أو سلطة في مكتب رئيس الوزراء أو وزارة المساواة الاجتماعيّة، كما كان عليه الحال في خطّة 922، التي لم يتمّ استغلال ميزانيّاتها (15 مليار شيكل) كاملة، بل استُغِّل  بعضها،  ويتراوح ذلك بين 6 مليارات و 9 مليارات شيكل، ناهيك عن إشراك لجنة رؤساء السلطات المحليّة العربيّة ومؤسّسات المجتمع الأهليّ والمختصّين الاقتصاديّين المهنيّين، هو بحدّ ذاته خطوة تؤكّد أنّ الخطّة صيغت بمنتهى الجديّة، وأنّ كافّة المشاركين في هذه الصياغة يعلمون علم اليقين أنّ تنفيذها يتطلّب أمورًا عدّة أوّلها الشفافيّة والوضوح، وثانيها العمل الجماعيّ وثالثها، وهو أهمّها، أن يترافق إقرار الميزانيّات بتغيير في التوجّهات والسياسات بشكل يضمن أن تستغلّ هذه الميزانيات دون معيقات، والأهمّ من ذلك أن يتمّ تغيير السياسات الحكوميّة والتوجّهات ليتمّ حصد الفائدة القصوى من الميزانيّات، وتحقيق الأهداف المنصوص عليها في الخطّة، دون الاكتفاء بصرف الميزانيّة، أي تغليب الغاية على الوسيلة وهو ما يجب أن يكون دائمًا.
بنود الخطّة عديدة ومتنوّعة تتطرّق إلى مختلف مناحي الحياة في المجتمع العربيّ. سأتطرق إلى بعضها وأهمّها في نظري، وأوّلها  تخصيص 9.6 مليار شيكل لتطوير جهاز التربية والتعليم العربيّ. وهذه بشرى رائعة حتى لو اكتفينا بالنظر إلى الأرقام، لكنّ نجاح هذا البند، وهو ما تريده الحكومة وكافّة الوزارات التي شاركت في صياغة الخطّة وكذلك القائمة الموحدة، يتطلّب "تنسيقًا وتكاملًا وتكافلًا بين الميزانيات والتوجّهات، بمعنى أنّ نجاح خطّة تطوير جهاز التعليم العربيّ لا تكتفي بالميزانيّات فقط،  والتي تشير إلى تمييز صارخ بحقّ الطالب العربيّ يصل إلى ذروته في المرحلة الثانويّة، إذ إنّ الميزانيّة التي تخصّصها وزارة التربية لكلّ طالب عربيّ تبلغ 26776  شيكل مقابل 45007 للطالب اليهوديّ، بل إنها تتطلّب خطوات أُخرى ترافق ذلك أهمّها تغيير السياسات والتوجّهات  والخطط والبرامج التعليميّة، والانتقال من طريقة التعليم المتّبعة حاليًا في معظم المدارس العربيّة، والتي تعتمد التكرار والإيداع، أي حشو أكبر قدر ممكن من المعلومات، ومنها معلومات لا أهمّية لها، في رؤوس الطلاب دون انتهاج طرق تعليم مبتكرة تعتمد الإبداع والتفكير الإبداعيّ. إنّ تحسين أوضاع التعليم في المجتمع العربيّ يبدأ أوّلًا وقبل كلّ شيء عبر اختيار الطواقم التعليميّة استنادًا إلى اعتبارات مهنيّة، ما يلزم ويحتّم تغيير الوسيلة الحاليّة المتّبعة لاختيار المعلّمين، والتي تمنح السلطات والصلاحيّات لموظّفي الألوية وليس لمديري المدارس، أي  نقل الصلاحيّات في عمليّة التوظيف، وهي عمليّة مهنيّة مئة بالمئة، من الموظفين الى أصحاب الخبرة والاختصاص الأكاديميّ والتربويّ،  إضافة إلى اختيار المديرين بشكل مهنيّ بعيدًا عن تدخّلات رؤساء السلطات المحليّة الذين يعتبرون انتخاب مدير مقرّب إليهم نوعًا من الجاه والمباهاة، وتخفيف نسبة التسرّب من المدارس العربيّة.

" تحسين الأوضاع في جهاز التعليم "
إنّ تحسين الأوضاع في جهاز التعليم في المجتمع العربيّ يعني أيضًا كمًّا وكيفًا، تعزيز التوجّهات الأكاديميّة، عبر خطوة أولى هي تعليم اللغات بشكل علميّ، أي تطوير قدرة الطلاب على الحديث بالعبريّة والإنجليزيّة خاصّة، وعدم الاكتفاء بالقراءة والكتابة فقط، وعبر تذويت التعليم الإبداعيّ والتفكير الإبداعيّ الذي يشكّل انعدامه اليوم في المدارس العربيّة، عائقًا أساسيًّا يحول دون تحقيق الطلاب الثانويّين العرب الراغبين في الالتحاق بالجامعات نتائج جيدة في امتحان البسيخومتري.  يشكّل هذا الامتحان مقياسًا أساسيًّا لدخول الجامعات  تختلف حوله الآراء والمواقف، إضافة إلى أنّ تحسين الوضع في الجزئيّة السابقة يمكِّن الأكاديميين العرب من الالتحاق بدراسة مواضيع أكاديميّة علميّة متطوّرة ومتقدّمة  ومطلوبة ومرغوبة تشغيليًا كالعلوم والتقنيات المتقدّمة والتكنولوجيا الطبيّة وغيرها، والابتعاد عن اختيار مواضيع " أسهل قبولًا وأقلّ طلبًا في سوق العمل"، وبالتالي تقليل عدد الأكاديميّين العاطلين عن العمل، وزيادة إنتاجيّة الأكاديميّين العرب وزيادة دمجهم خاصّة في القطاع العام، أي منحهم التمثيل الملائم وتشغيلهم بنسبة توازي نسبتهم في سكان الدولة ( تغيير التوجّهات والسياسات والابتعاد عن إقصاء العرب لكونهم عربًا) علمًا أنّ نسبة الموظّفين والعاملين العرب الرجال في القطاع العام لا تزيد اليوم عن 10% أمّا نسبة  تشغيل النساء فلا تكاد تزيد عن 3% ، وتعزيز شعورهم  بالانتماء، وبأنّهم جزء من الدولة، وتعزيز الشعور بالأهميّة الذاتيّة والشخصيّة، وما يعنيه ذلك على صعيد علاقة المواطن بالدولة وخاصّة الأقليّة العربيّة.  
بناء نحو 4000 غرفة دراسيّة جديدة، هو أحد بنود الخطّة وهو مطلب ملحّ وجب سدّه وتنفيذه منذ سنوات خاصّة على ضوء نقص الغرف الدراسيّة في المجتمع العربيّ وخاصّة في النقب وقراه غير المعترف بها. لكن تنفيذه لا يعتمد على السلطات المحليّة العربيّة حتى لو قدّمت هذه لوزارة التربية كافّة الخرائط والخطط لبناء هذه الغرف، بل إنّه يتطلّب من الوزارات ذات الصلة وفي مقدّمتها وزارات الداخليّة والماليّة والإسكان، تغيير نهجها وسياساتها تجاه المجتمع العربيّ عبر "تحرير" مساحات من الأراضي من دائرة أراضي إسرائيل التي تملك 95% من أراضي الدولة ومعظمها أصلًا أراضٍ عربيّة تمت مصادرتها والاستيلاء عليها بفعل قانون " أملاك الغائبين" الذي كان المقصد منه إيجاد هيئة تحافظ على هذه الأملاك التي تركها أصحابها جرّاء الحرب عام 1948 ، وقد تزامن قيام الدولة مع وجودهم صدفًة في زيارة أهلهم وأقاربهم في دولة عربيّة مجاورة، أصبحوا بعدها لاجئين خارج البلاد، أو كانوا في مدينة أو قرية عربيّة بعيدة حالت أحوال الحرب دون عودتهم، فأصبحوا لاجئين في وطنهم، ما يعني أنّ تخصيص أراضٍ من هذا القبيل لإقامة مدارس ومؤسسات جماهيريّة ومنشآت رياضيّة واجتماعيّة، وإقامة وحدات سكنيّة للمواطنين العرب يشكّل استعادة لأراضٍ كان على القيّم على أملاك الغائبين حمايتها حتى عودة أصحابها، أو إيجاد حلّ للنزاع، لكنّه حوّلها إلى أراضي دولة ثمّ أراضٍ يستفيد منها اليهود فقط. وهنا أقول إنّه لو كانت هناك قيادات عربيّة سياسيّة واعية لعملت على الانضمام إلى الحكومة منذ سنوات فقط لتحقيق الغرض سابق الذكر، وهو استعادة الأراضي التي استولى عليها حارس أملاك الغائبين خلافًا للهدف الأساسيّ للقانون، وهو الأمر بالنسبة لبند الخطّة الذي ينصّ على تخصيص 530 مليون شيكل للعلوم والتكنلوجيا والهايتك ودعم مبادرات تكنولوجيّة عربيّة، وإقامة مراكز أبحاث تحتاج إلى أراضٍ لإقامتها، وتشكّل أرضًا خصبة لنشاط الأكاديميّين العرب المتميّزين من جهة، ومنصّة لدمجهم في مجال الهايتك ورفع مكانتهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة  والعمليّة، وكذلك تخصيص 1.2 مليار شيكل للتخطيط والبناء والإسكان، وتخصيص  700 مليون شيكل لبناء المنشآت والملاعب الرياضيّة  تتطلّب " تحرير أراضي دولة من دائرة أراضي إسرائيل"، وتطوير النخب الرياضيّة في المجتمع العربيّ باعتبار ذلك إحدى وسائل تقليل حالات وظاهرة العنف.
زيادة نسبة التشغيل في المجتمع العربيّ، للنساء( 37% في العامين 2018-2019)  والرجال (67%)عبر تخصيص ميزانيّة بقيمة 1.4 مليار شيكل، هي بند آخر لن يتحقّق بمفرده حتى لو تمّ استغلال كلّ هذه الميزانية، بل إنّه يتطلّب تغييرًا جذريًّا في توجّهات وزارات ذات صلة، ومنها وزارة المواصلات التي عليها تخصيص ميزانيّات لتعزيز المواصلات العامّة في المجتمع العربيّ خاصّة، ووزارة الرفاه، وعليها بناء أطر للأطفال في سنوات عمرهم الأولى. وهذان عاملان أساسيّان في رفع نسبة انخراط النساء العربيّات في سوق العمل خاصّة وأنّ 61% من النساء العربيّات أكدن أنهنّ لا تعملن لعدم وجود أُطُرٍ لإيواء أطفالهن الرُضَّع ما يلزمهن البقاء في البيت، وعدم الخروج إلى سوق العمل، ناهيك عن انعدام المواصلات العامّة التي تضمن وصول الرجال والنساء على حدّ سواء، إلى أماكن العمل خارج البلدات العربيّة، وبالتالي تقلّل نسبة مشاركتهم في سوق العمل. إضافة إلى إقامة مناطق صناعيّة لها قيمتها لا تستند فقط إلى الورشات الصغيرة العائليّة، التي لا تكاد توفّر أماكن عمل، ناهيك عن ضحالة مردودها من الضرائب والأرنونا للسلطات المحليّة، وهي مناطق هناك حاجة لمساحات واسعة من دائرة أراضي إسرائيل لإقامتها تمامًا، كما هو الحال في قضية توسيع مناطق نفوذ السلطات المحليّة العربيّة وبناء 35000 وحدة سكنيّة جديدة  وفق الخطّة الجديدة (مقارنة بإقامة 2500 وحدة وفق خطّة 922 في كلّ سنة)  لتخفيف الضائقة السكنيّة، فارتفاع أسعار الأراضي في المجتمع العربيّ يفوق الخيال، ويفوق أسعارها في تل أبيب، وذلك لسيطرة قلّة من أصحاب رؤوس الأموال، وربما عصابات الإجرام على سوق بيع أراضي البناء وشرائها في القرى والمدن العربيّة كوسيلة لغسل الأموال، ومعالجة الاكتظاظ السكانيّ في البلدات العربيّة، والذي يعيق التطوّر الاقتصاديّ والاجتماعيّ، ويخلق حالة تكون نتائجها الحتميّة العنف وخرق القانون. وهو ما يمكن منعه إذا ما تحقّق البند الذي ينصّ على تخصيص 200 مليون شيكل للنهوض بالشباب العرب أجيال 18-24 عامًا في شتّى المجالات، توجيهيًّا، جامعيًّا، صناعيًّا، اجتماعيًّا وثقافيًّا عبر أطر تعزّز النشاط الثقافيّ، ومنه المسرح الذي يشكّل وسيلة لإبراز المواهب الفنيّة والاجتماعيّة. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى ضرورة وأهميّة وحتميّة دعم المشاريع ذات الصلة خاصّة مبادرة الكليّة الأكاديميّة العربيّة للتربية بإقامة مسرح مهنيّ ومدرسة لتعليم المسرح والتمثيل تستجيب لمتطلّبات المجتمع العربيّ والمساهمة في تحقيق المساواة، إذا ما كانت الحكومة فعلًا تريد تحقيق المساواة.

" الامتحان بالتنفيذ وتحويل كل الميزانيات "
يؤكّد ما سبق أنّه لا فوارق جوهريّة بين الخطّتين، إذ إنّ الهدف منهما هو تقليص الفجوات التي خلفتها سياسات وتوجّهات الحكومات المتعاقبة منذ قيام الدولة، والتي انتهجت سياسة إقصاء 20% من مواطني الدولة، علمًا أنّ الخطّة الأخيرة تطرّقت إلى جوانب لم تكن موجودة في خطّة 922 ، وأنّ الميزانيّة المرصودة لها مضاعفة، ولكن في تجربة 922 استغلّ المجتمع العربيّ منها نصف ميزانيّتها. لذلك، فإنّ الامتحان هو بالتنفيذ وتحويل كامل الميزانيّات المخصّصة، إلى جانب تنفيذ التسهيلات التشريعيّة المطلوبة من أجل تطوير البنى التحتيّة والسكانيّة ما يعني أنّ الخطّة الجديدة تمتاز عن غيرها بأنّها تمثّل، لأوّل وهلة وعلى مستوى التصريحات حتى الآن، إدراكًا من ممثّلين عن المواطنين العرب، هم القائمة الموحّدة في حالتنا هذه، والوزارات كلّها دون استثناء، أنّه يجب أن تتوفّر، ليس فقط الميزانيات والأموال، بل أيضًا وربما بالأساس، نوايا حقيقيّة لدى الوزارات المختلفة لتخصيص الميزانيات وتحريرها لصالح تطوير المجتمع العربيّ، خاَصة وأنّ حصّة كبيرة من ميزانيّة الخطّة ستأتي من ميزانيّة الوزارات ذات العلاقة، مثل وزارة الداخليّة والإسكان والتربية، والتي ستموّل الحصّة الأكبر من ميزانيّة الخطّة، أي أنّ الأمر يتطلّب ليس فقط الحديث عن "حكومة تغيير"، بل إثبات أنّها "حكومة تنفّذ سياسات تغيير وتغيّر من سياساتها وتوجّهاتها".
الميزانيّات الواردة في الخطّة الاقتصاديّة كبيرة، لكنّها ليست الأهمّ، بل إنّ المهمّ ما سيحدّد فشل الخطّة أو نجاحها، هو دور السلطات المحليّة ومدى جاهزيّتها لمواجهة خطّة كهذه، أي مدى استعدادها لتوفير الخطط المدروسة من أصحاب الاختصاص في مجالات التعليم والصناعة والإسكان والعمل والرياضة والثقافة، لتضمن استغلال الميزانيات. أقول ذلك لمعرفتي حقيقة أوضاع السلطات المحليّة العربيّة التي يشارك العرب في انتخاباتها العائليّة والحمائليّة بنسبة تزيد أحيانًا عن 90% ، لأهداف وأغراض عائليّة ضيّقة لا تستجيب لخدمات ومتطلّبات السكان. والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم يبادر رؤساء السلطات المحليّة حتى اليوم إلى سدّ الفجوات والنواقص في مجالات التعليم، وبناء الغرف الدراسيّة، وإقامة روضات الطفال والأُطر اللازمة للطفولة المبكرة،  دون أن يثير ذلك احتجاج السكّان ومواطني القرى والمدن العربيّة الذين، ولأسباب يجب دراستها، لا يحتجّون على غبن رؤسائهم الذين انتخبوهم لاعتبارات عائليّة، ناهيك عن أنّ احتجاجهم على غبن السلطات الرسميّة والحكوميّة عادة ما يتمّ بشكل سلبيّ بفعل تأثير عناصر تحاول دائمًا جرّ العمليّة الاحتجاجيّة إلى مسارٍ سيّئ يضطرّ سلطات فرض القانون كالشرطة والشاباك(جهاز الأمن العام) إلى التدّخل، الأمر الذي يحول دون تحقيق الاحتجاج أهدافه المرجوة والإيجابيّة، ونظرة إلى المظاهرات الاحتجاجيّة على مدار السنوات الأخيرة هي أفضل دليل على ما أقول.
النقاش بين الموحّدة والمشتركة حول بنود الخطّة ومضمونها، وتصريحات الموحّدة حول كونها إنجازًا مقابل تصريحات المشتركة أنّها فتات أمكن تحقيقه دون الانضمام إلى ائتلاف يرأسه يمينيّ مثل نفتالي بينيت يجمّد العمليّة التفاوضيّة مع السلطة الفلسطينيّة، ويرفض مجرّد الحديث عن كيان وطنيّ للفلسطينيّين، هو ليس مجرّد نقاش اقتصاديّ، بل إنّه نقاش يعكس ما يحدث في المجتمع العربيّ وتحديدًا الخلاف بين ممثّلين عنه يؤمنون بالشعارات والغوغائيّات ويواصلون ترديدها دون هوادة. لم يتعلّموا عبر الماضي، بل يفضّلون الوقوف موقف المتفرّج على السياسات والتوجهات التي تكرّس التمييز ضدّ المواطنين العرب في الميزانيّات والتشريعات والخدمات، بانتظار الفرج، أي بانتظار أن تتغيّر السياسات التي تنتهجها الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة من تلقاء ذاتها أو بقدرة قادر، تمامًا كمواقف الدول العربيّة التي وقفت متفرّجة على تقلّبات القضيّة الفلسطينيّة منتظرة أن تتنازل إسرائيل عن الأراضي الفلسطينيّة، وأن تنسحب منها بقدرة قادر أو طوعًا ودون مفاوضات أو اجتهادات، ودون استخدام وسائل الضغط المتوفّرة لديها مثل قوّتها السياسيّة، بل واصلت إطلاق الشعارات الغوغائيّة الرافضة للتفاوض والاعتراف والسلام حتى " وقعت الفؤوس في الرؤوس"، وبين ممثّلين  عن المجتمع العربيّ في البرلمان (القائمة العربية الموحّدة) يؤمنون أنّ التغيير يبدأ من الداخل، وأنّ الله لا يغيّر ما في قوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، أي أن يغيّروا نهج المعارضة الدائمة والإقصاء الذاتيّ، والتحوُّل إلى انتهاج نهج المشاركة، وتحمّل المسؤولية في كافّة المجالات ومنها قضية العنف التي يجب أن يبدأ علاجها من الداخل عبر تربية وتثقيف وتوعيَة، وبناء شخصيّة تؤمن أنّ الإنسان هو القيمة العليا، وأنّ الحريّة هي السمة الأولى للمجتمعات الراقية، وأنّ التعليم وخاصّة الأكاديميّ الذي يعتمد الإبداع والبحث هو عماد كلّ مجتمع يريد الحياة.
خلاصة القول أنّ الخطّة الجديدة تدمج لأوّل مرّة في تاريخ هذه الدولة بين توفير الميزانيات وتغيير التوجّهات وتعديل السياسات، فإذا تمّ ذلك وتوفّرت لدى السلطات المحليّة العربيّة الخطط الصحيحة والمدروسة، وتوفّر أصحاب الاختصاص، وهو ما لا يوجد حاليًّا، كان الضمان لنجاحها لمصلحة المواطنين العرب، ولكن قبل كلّ ذلك وفوق كلّ ذلك لمصلحة الدولة عامّة، مع التأكيد على أنّها تعني اعتراف الحكومة والدولة أنّ دعم وتطوير المواطنين العرب لا يتناقض ومصلحة الدولة، بل إنّه يعزّزها، وفي ذلك بداية التغيير.


هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
[email protected].


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق