اغلاق

أبو فراس رسمي البَيادِسِي/ الحمداني !

نترحَّمُ بادئ ذي بِدئ على روح أستاذنا وزميلنا (أبو فراس رسمي حسن بيادسة / باقة الغربيّة ) الذي رحل عنّا يوم 16 /1 /2022 إلى الملأ الأعلى، وهو في العقد التّاسع

  

من عمره السّخِيّ، وبعد أن نستأذن أسرته الكريمة، مُصَلّين على النّبيّ المختار، نقول:
تيمّناً بأبي فراس الحمداني:932 – 968 م الشاعر الطّبيب الفارس القائل:
أراكَ عَصِيَّ الدّمعِ شيمَتُكَ الصّبرُ  - أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ
بَلَى أنا مُشتاقٌ وعندي لوعة ٌ -   ولكن مثلي لا يُذاعُ لَهُ سِرُّ
وتأتي كوكب الشّرق الرّاحلة الخالدة، السّيّدة أمّ كلثوم، لِتُتَوّجَ هذا العمل الأدبي إلى مغناة شعريّة عاطفيّة شجيّة، تليق بكلّ راحل معطاء حيثما كان ووُجد.
ويُعيد رحيل أبي فراس رسمي بيادسة إلى أذهاننا جميعاً، ما قاله زميله: أبو فراس الحمداني ثانيةً:
أقول وقد ناحت بقُربي حمامةٌ  - أيا جارَتا هل تشعرين بحالي!

بِحُكم كون أبي فراس رئيساً لتحرير مجلّة ( صدى التّربية) ، طيلة أربعة عقود خلت، وكانت لسان حال نقابة المعلّمين في ديارنا المقدّسة، محرّرها المسؤول: السيّد: (ران ليرنر)، وسكرتيرة التّحرير: (الآنسة سميرة قاقندة)، كانت مهاتفات متعدّدة بيننا، طالبين منّي تزويد المجلّة دائماً بالمقالات ، الريبورتاجات، المستجدّات التربويّة محلّيّاً وفي عالمنا العربي، وتكليفي بالكثير من التّرجمات من العبريّة إلى العربيّة.
حاولتُ القيام بتأدية هذه الرّسالة والمسؤوليّة على قدر المستطاع، ومن هنا توطّدت العلاقة والزّمالة، المهاتفات المهنيّة، المعايدات، التّعازي، الاجتماعيّات والاستشارات والاستفسارات عن مختلف القضايا التّربويّة، النّهج والعادات بين مختلف طوائفنا العربيّة، أستشيره ويستشيرني، لبلورة بعض الأمور والطّروحات، هو يُركّز على المسار التّربوي المحض، وأنا أربط ذلك مع السّياسة الخفيّة التي توجّه التربية عندنا إلى مهاوي الرّدى، دائرة معارف عربيّة، وأخرى درزيّة شركسيّة، ثمّ بدويّة، وغيرها مسيحيّة، ومفارقات في اختلاف الرّأي الذي لم يُفسد للودّ قضيّة، هو يؤكّد لي هاتفيّاً صواب موقفي، لكن بدبلوماسية معهودة منه، يقول لي : أخي نمر: أنت تعرف البير وْغطاه وخَطّ المجلة تحت المراقبة، وفهمك كفاي، والكلمة الأخيرة في النّشر ليست لي، ونجد مخرجاً مشتركاً، لا يموت الذّيب ولا يِفنى الغَنَم ّ، ولكنّ لا نُدير الحمرا ع َ البورة، ولا نُخَلّي الدّعوة مستورة، وأعي تماماً أنّه دُعِيَ إلى المُساءلات، بسبب بعض كتاباتي! ونوصل الرّسالة بصيغة ما بين السّطور، وَتُسْمِعُ كلماتنا مَن به صممُ!


تحت عنوان: لِمِثل هذا فَليعمل العاملون، كتب أبو فراس في مجلة صدى التربية، عدد كانون الثاني- شباط 2007 :
(أسهم الزّميل الشّيخ نمر نمر في تكريس وتخليد التّراث، وجاءت كتاباته ومؤلّفاته لتُكمل هذه الرّسالة التي حملت في بعض مراحلها هدف بناء جسر ثقافي أدبي، بين الأدبَين العربي والعبري، بل بين الشّعبين العربي والعبري عامّة، بواسطة نقل إبداعات عبريّة معاصرة إلى قرّاء الضّاد، وفي الحالَتَين أبدع وأجاد زميلنا أيّما إبداع وأيّما إجادة...)
- إحدى المعارف في قرية من قرى المثلّث الشمالي ( ليست باقة الغربيّة ) زارتني طالبةً إجراء أمسية أدبيّة تاريخيّة في بيتها، تضمّ مجموعتَين من قريتي وقريتها لحوار تعارف بنّاء، تُطرَحُ به قضيّة انتماءاتنا المذهبيّة والوطنيّة، والتّشكيك والجهل عند بعضنا البعض، رحّبْتُ بالفكرة من جانبي، وكان تأكيد على قيام الأمسية مع عشاء فاخر في بيتها الرّحب، عَيَّتّا تاريخاً مُحدّداً لهذا اللقاء الهام بين الشّمال والمثلّث الأبِيّ، هاتفتُ أبا فراس وأطلعته على كُنْه الموضوع وأبعاده طالباً منه الاستشارة والنّصيحة، لم يكتفِ بالمهاتفة، بل في رسالة بريديّة كتب لي أبو فراس: عزيزي نمر! لا يخلو مجتمعنا من بعض المُتَزَمِّتين، المُتشدّدين، الرّجعيين والمصطادين في المياه العَكِرة، خُذْ بالحسبان أنّهم سيسألونك عن معالم الحلال والحرام في الزّواج والزّاد والذّبح الحلال، والانتماء الوطني عند طائفة المعروفيين، والتّجنيد الإلزامي....  وأنا أثق بإلمامك في مثل هذه الاستفزازات، وأنت تعرف من أين تؤكل الكتف، وعند نمر الخبر اليقين .
أعددنا العدّة مع مجموعة من الزّملاء في الشّمال، وفي مساء جاءتنا مهاتفة مفاجئة من صاحبة الفكرة والدّعوة: نظراً لظروف طارئة، أطلب تأجيل اللقاء إلى يوم آخر! قلنا حسناً وعيّنَتِ الزميلة موعداً آخر! قلنا :لا بأس، ثمّ تأجيل ثان وثالث ورابع والعائق من صاحبة الدّعوة فقط ! عذَرْنا وما لُمْنا، على أمل أن يبقى المجال مفتوحاً في ظروف أسهل.
 بعد أسابيع وإذا بوسائل التّواصل الاجتماعي الحديثة تُنْبِؤُنا عن حدوث لقاء مع نفس الدّاعية له، ولكن مع مجموعة لا نَمتُّ لها بصِلة في بلدنا، سوى الانتماء الجغرافي! لم نستغرب أبدا، لِأنّ العابثين والعاكرين للمياه يُخطّطون في الظّلام الدّامس.
* في مهاتفة خاصّة معي قال أبو فراس قبل نحو عشر سنوات: أخي نمر! أنت تعرف أن العمرَ والمرضَ غدّاران، واعتذرتُ عن مواصلة عملي في رئاسة تحرير مجلّة صدى التربية، واقترحْتُ إسمَكَ لرئاسة التحرير أمام المسؤولين، لأنّك الأكثر نشاطاً ومثابرة بين الزّملاء أعضاء هيئة التحرير الكرام ولكن! ( تنهّد أبو فراس بحسرة وألم وصِدق). قُلتُ رجاءً لا تُكْمِل! أنا أعرف من يستتر خلف الأكمة! وكان أبو فراس صادقاً صدوقاً وصديقاً وَصِدِّيقاً!
* وفي بعض المهاتفات يقول وصلت المادّة، ولكن أعتذر عن نشرها، وفهمك كفاية!
في جعبتي الكثير من الأسرار الأخرى مع أبي فراس، لن أبوح بها، وهي لا تَمَسُّ به معاذ الله، بل في بعض المصطادين في المياه العكرة !
• هاتفني كثيراً وفي كلّ مهاتفة يقول لي: أخي نمر! حين تصلني مادَّتُكَ، أتنفّسُ الصّعداء وأقول: هذه مادّة دسِمة، أرتاح لها، ولن يصدر عدد من المجلة دون أن يُزَيّن بمادّة أو موادّ عديدة مذيّلة باسمك الشّخصي، أو بِلَقَبِكَ، أو باسم مستعار أختاره أنا لكَ.
هي صداقة، زمالة، رسالة، هموم وسموم، اضْطُررنا على ابتلاعها متفائلين بغد مشرق ومُشرّف...
أبو فراس رسمي، اسم على مسمّى، مُربٍّ فاضلٌ، مدير مدرسة معطاء، مفتّش معارف مع ضمير نقيّ، كاتب طموح، وربُّ أسْرة تتّقي الله، على أمل أن يحذوا حذوَهُ في مسيرة العطاء والتّسامح.
 ويبقى الحديث النّبويّ العطر خيرَ مرجعٍ ومَوْئل في مثل هذه الحالات:
(إذا مات ابن آدم، إنقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو عِلْم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.)
وكاتب هذه السّطور على يقين تام، أن هذه الثّلاث متوفّرة  بالتّمام والكمال لدى أسرته الكريمة التي نُقدّرها وَنُجلّها، تعازينا القلبيّة لقرينته الفاضلة السّيّدة أمّ فراس، البنين والبنات والأحفاد والعائلة والمعارف، له الرّحمة من لَدُن ربّ العالَمين، ولكم من بعده طول العمر والبقاء.

 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق