اغلاق

مقال | العلاقة بين حريّة القرار ومسؤوليّة الاختيار

انتهت سنوات أوّل عقدين من أصل عشرة في القرن الحادي والعشرين، إلا أنّها ووفق كافّة التقديرات والتقييمات والأحداث والتطوّرات، تستحقّ اعتبارها محطّة جديرة بالتوقّف

 
المحامي زكي كمال

والتفكير والمراجعة، وطرح الأسئلة والتساؤلات وفحص التوقّعات والأُمنيات، بل التمنّيات التي رافقت القرن الحاليّ، خاصّة أنّنا جميعًا ما زلنا نذكر الحماس الواسع والتفاؤل غير المشروط الذي استقبلنا به القرن الحادي والعشرين، والذي تزامن مع انتهاء عهد الاتحاد السوفييتيّ كدولة عظمى وواحدة موحدّة.
فقد علّقنا عليه الآمال الكبيرة والتوقّعات الإيجابيّة ممنّين النفس أنه سيكون خير خلف لأسوأ سلف، وأنه لن يرث ما حمله القرن العشرين من حروب ومآسٍ. فضلًا عن الإيمان شبه المطلق بأنّ القادم أفضل حتى أنّ الإجابة عن السؤال حول ما سيحمله القرن الجديد كانت جاهزة لدى كافّة السياسيّين والخبراء الاستراتيجيّين، وهي أنّه سيحمل المزيد من العولمة ( فسّرتها بعض الدول، خاصّة العربيّة ودول العالم الثالث على أنها اتكاليّة متبادلة) والثورة التكنولوجيّة والحريّة والرفاهية لكافّة الشعوب عبر القضاء على الإرهاب والتطرّف وأخطار الحروب  التقليديّة منها وغير التقليديّة ( الأسلحة الكيماويّة في العراق وغيرها ) والفكر الأصوليّ، وسيطرة دول ما على مصير الشعوب  الجارة، بعكس القرن السابق والذي كان أكثر قرون التاريخ دمويّة وانشغالًا بالصراعات متعدّدة الأشكال والأنماط، داخل الدول وبينها إقليميًّا ودوليًّا. والدليل هو عدد الأرواح التي أزهقت في هذه الصراعات والحروب ( حربان عالميتان الأولى والثانية ) وحجم الموارد التي أهدرت في سياقها مقارنة بالقرون الماضية.
لكن لم نكن بحاجة للانتظار طويلًا حتى 11 ايلول 2001، حين اهتزّ العالم على وقع هجمات الطائرات التي استهدفت برجي التجارة العالميّة في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكيّة (البنتاغون) في واشنطن، وهو ما عاد بعواقب وخيمة على العالم، وأشعل فتيل الحرب بعد ذلك في أفغانستان والعراق ( حرب الخليج الثانية )، ثمّ الركود الاقتصاديّ الذي ضرب العالم عام 2008، وبعدها في لمح البصر ( من الناحية التاريخيّة )، تغيّر المزاج العالمي بحدّة، مع تفشّي جائحة كورونا 2019 ( كوفيد - 19).

" إحباط وخيبة أمل "
في قسم كبير من العالم، وقبل أن تنتهي جاءت الحرب في أوكرانيا، والتي أعلنت رسميًّا وفاة كافّة التوقّعات بأنّ الحروب بين الدول الأوروبيّة قد انتهت إلى غير رجعة، وأن الديمقراطيّة الأوروبيّة سوف تزدهر وتتطوّر، وأنّها ستتغلّب على مظاهر التطرّف القوميّ في القارة أولًا والعالم ثانيًا، وأن الاعتدال والانفتاح سيكونان سمة هذا القرن.
وبين ذلك وذاك ما شهده الشرق الوسط من " ربيع عربيّ " أحرق الأخضر واليابس، وأعاد خلط الأوراق من جديد موقظًا مسخ الحركات الأُصوليّة في الدول العربيّة، وانهيار هذه الدول اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، وزيادة تعقيدات القضيّة الفلسطينيّة التي ساد الاعتقاد لسنوات في نهاية القرن الماضي أنها في الطريق إلى حلٍّ ما، ما يعني أنّ أول عقدين من هذا القرن كانا فترة من الإحباط وخيبة الأمل.
بدأ القرن الحاليّ بثورة تكنولوجيّة تلتها نهضة اقتصاديّة واسعة النطاق أسفرت عن ظهور قوّة عظمى اقتصاديّة هي الصين ( تحوّلت إلى قوة سياسيّة وعسكريّة )، ما أنهى في نظر الكثيرين عصرا ساد فيه الجوع والمجاعة في دول عديدة في العالم. وشكّل في نظرهم بداية عهد تقترن فيه الرفاهية الاقتصاديّة بالليبراليّة الفكريّة والسياسيّة، بل الديمقراطيّة والسلام في العالم عامّة بما فيه أوروبا التي ستدخل فترة من انعدام العداوات وانتهاء التطرّفات، ليتضح أن الواقع غير ذلك فالازدهار الاقتصاديّ لم يقترن بازدهار سياسيّ ودمقرطة متسارعة ومساواة وليبراليّة، بل إنّه كان بداية عهد جديد من العداوات والمنافسات والخلافات والأزمات، كما وصفته الباحثة الفرنسيّة  " تيريز دلباش " أستاذة الفلسفة في الجامعات الفرنسيّة، وعضو المعهد الدوليّ للدراسات الاستراتيجيّة في لندن، قائلة:" لقد أصبحنا في أوروبا نجد صعوبة كبيرة في تحديد أعدائنا بعد أن توهّمنا أننا قد طوينا عصر الحروب، ودخلنا في مرحلة ما بعد الصراعات .. نحن في الغرب عامّة وفي أوروبا على وجه الخصوص نعيش حالة من الإنكار التاريخيّ "، هذا إزاء آفات القرن الحادي والعشرين وخاصّة آفة الفقر في العالم، وجائحة كورونا وأزمة المناخ، وكلّها تشكّل خطرًا على البشريّة، وتمسّ تداعياتها العالم مخلفةً في طريقها ملايين البشر، بين ضحايا وجياع ولاجئين.

" جشع السيطرة والهيمنة "
هذه الحالة التي يعيشها العالم في القرن الواحد والعشرين، ما كان لها أن تستفحل لولا البشر أنفسهم، وتحديدًا الدول التي تمتلك القوة والإمكانات، والتي يحرّكها سعيها، وربما جشعها للسيطرة والهيمنة، وإهدار المليارات على الحروب والتسلّح، ما يشكّل إنكارًا أو تجاهُلًا مقصودًا للفهم بأنّ أفضل وسيلة للقضاء على هذه الآفات هو أن يتّحد العالم في مواجهتها، وأن يتخلّى عن أطماع السيطرة، ويقلّص ميزانيات التسلّح ويلغي الديون المتراكمة على الدول الفقيرة والنامية، ويوفّر لها المساعدات للتغلّب على أزماتها، عبر انتهاج " العولمة " داخل الدول، وليس فقط بينها أي ضمان الحياة الكريمة للجميع وتقليص الفوارق الاقتصاديّة والاجتماعيّة وصولًا إلى وضع حدّ لآفة الفقر التي تعتبر آفة القرن الحادي والعشرين، فهي تمسّ دولًا وشعوبًا، بل قارات بأكملها تمنع تقدّمها وتطورها أكاديميًّا واقتصاديًّا من جهة، وتجعلها أرضًا خصبة لمظاهر التطرّف والأُصوليّة وانعدام الديمقراطيّة، بل سيادة الدكتاتوريّة من جهة أخرى، وهو ما تؤكّده الأوضاع التي سادت منذ بداية هذا القرن،  والتي تحتّم طرح السؤال حول ما إذا كان الإنسان في مختلف دول العالم، سيحظى خلال القرن الحاليّ بالحريّة والطمأنينة وإمكانيّة الحياة والعيش، دون أن يهدّده العنف الذي ينفجر دون سابق إنذار، بشكل يمكن وصفه بأنّ العالم يجد نفسه خلافًا لما أراد وتوقّع، في مفترق طرق وأمام طرفي نقيض فإمّا الحريّة والرفاهية الاقتصاديّة والسياسيّة والشخصيّة، كما وعدته العولمة، وإمّا العبوديّة والخضوع للدول القويّة، أو المجموعات التي تنشد السيطرة الاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة على الدول، أو الفئات الصغيرة والضعيفة، وهو ما كانت نتيجته حروب وأزمات لم تعد معها  قضيّة النزوح واللجوء والقتل والدمار والحروب حكرًا على " العالم الثالث " بدوله الإفريقيّة ( رواندا مثلًا) والآسيويّة ( أفغانستان ) والشرق أوسطيّة ( سوريا وليبيا واليمن والعراق )، بل إنها وصلت أوروبا ذاتها، وهي التي لم تتخيل حتى في أسوا أحلامها أن تندلع فيها حرب بين دولتين هما في حالتنا هذه روسيا وأوكرانيا تخلّف ملايين اللاجئين الذين يفرون من بلادهم بحثًا في دول أخرى عن أبسط مقوّمات ما وعدهم به القرن الحالي من حريّة وهدوء وسلام وتعاون دوليّ. إضافة إلى أنّ هذه الحرب تنذر ربما بنسف الادّعاء الذي استند إليه من اعتبر القرن الحاليّ فاتحة خير وبداية عهد جديد مقارنة بالقرن الماضي الذي شهد حربين عالميّتين، خاصّة إنّ احتمال حرب عالميّة شاملة، أو صدام مختصر، ما زال قائمًا بين روسيا والولايات المتحدة والدول الأوروبيّة التي تدعم أوكرانيا.

" تغيّرات وتبدّلات "
لم يكن القرن الحادي والعشرين بشير خير بما يتعلّق بالديمقراطيّة والاعتدال والتسامح، فقد شهدت أفريقيا وآسيا ودول الشرق الأوسط تغيّرات وتبدّلات في أنظمة الحكم، وانتهاء عهد من الدكتاتوريّة وحكم الرجل الواحد في دول معيّنة ( الربيع العربيّ ) ووصول قادة إلى سدّة الحكم، توسّم الكثيرون فيهم خيرًا، رغم أنهم كانوا جزءًا من المنظومة، أو قريبين منها خلال العصور المظلمة والدكتاتوريّة، متناسين ما قاله العالم الاجتماعيّ الفيلسوف أنطون سعادة من أن أولئك القادة الذين ولدوا في عصر مظلم، ولم ترَ أنفسهم النور قطّ لا يُرجى منهم أبدًا ولا بأيّ حال من الأحوال أن يروا القيم وأشكال الحياة ومعانيها والمثل العليا، التي اعتنقتها نفوس وُلدت وسارت في النور، وهذا هو الواقع الطبيعيّ، وهذه هي الحقيقة التي تعني أن الإنسان لا ولن يكون حرًّا إلا إذا تحرّر الجميع، فالحاكم الظالم تمامًا كما شعبه المظلوم أسير وسجين لمخاوفه ومستعبد لها. والعنيف تمامًا كضحيّة العنف حبيس عنفه هذا، وهكذا تحوّلت آمال الديمقراطيّة إلى أضغاث أحلام، وتحطّمت طموحات الحريّة على صخرة قيادات في آسيا وأفريقيا والشرق، لم تستطع التحرّر من قيود عبوديّتها لحكم الرجل الواحد وإقصاء الغير وقمع الحريات.
أما في أوروبا والعالم فقد تقلّصت بخلاف التوقّعات أعداد الدول الديمقراطيّة والدليل على ذلك التغييرات التي شهدتها هنغاريا وبولندا وحتى الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب، وما تشهده فرنسا من تعاظمٍ لقوى الحركات اليمينيّة المتطرّفة التي تتبنّى توجّهات يمينيّة ورفض التوجّهات الليبراليّة، كما نشهد في البرازيل، وهي توجّهات يمكن وصفها بأنها اضطراب للتفكير الأخلاقيّ، وتوحّش للفكر البشريّ لقيادات هذه الدول تتحوّل  إلى توحّش للفعل قالت عنه " تيريز دلباش " إن التاريخ أثبت في مختلف محطّاته أن وحشية الفعل تكون مسبوقة في أغلب الأحيان بتوحّش الفكر البشريّ، وبالتالي لا يمكن إصلاح الشأن السياسيّ من دون التفكير الأخلاقيّ الذي يعتبر ضروريًّا حتى تتمكّن البشريّة من الوقاية من الكوارث التي قد يخبّئها لنا القرن الحادي والعشرون، خاصّة ظواهر اضطهاد الشعوب الفقيرة والفئات المستضعفة سكانيًّا ودينيًّا وقوميًّا، وتحديدًا اللاجئين من آسيا وأفريقيا المتدفّقين إلى أوروبا وهنغاريا خاصّة، ونبذ المختلف ( الملوّنين في أمريكا )، بل اعتبارهم خطرًا على البلاد أو أعداء لها، كما تصف إسرائيل الفلسطينيّين في الضفة أو حتى مواطنيها العرب، الذين تنبذهم وتعتبرهم وفق قوانينها أقلّ قدرًا وحقوقًا من اليهود في تجسيد يكاد يكون تامًّا مع ما شهده المناضل الملوّن للحريّة " مارتن لوثر كينغ " خلال زيارته إلى الهند مطلع ستينيّات القرن الماضي، وتحديدًا زيارته لمدرسة يدرس فيها أبناء مجموعة " الداليت "، وهم من بين أكثر مواطني الهند تعرّضًا للاضطهاد بسبب التسلسل الهرميّ للطائفة الهندوسيّة، يشكّل أفرادها " المكانة الأدنى قيمة وحقوقًا " في البلاد، وهم دون غيرهم يؤدّون وظائف متواضعة مثل تنظيف وإزالة القمامة، إذ شرح المضيفون لمارتن لوثر كينغ خلال الزيارة أن طائفتهم منبوذة ويمنع باقي الهنود من الاقتراب منهم ولمسهم أو الجلوس إلى جانبهم، أو تناول الطعام معهم، ثم اصطحبه مديرها إلى أحد الصفوف وقَدَّمَهُ أمام الطلاب: " هذا الضيف قادم من الولايات المتحدة وهو منبوذ ونجس مثلكم ".

" عبوديّة فكر وموقف سياسيّ "
حال إسرائيل لا يختلف، فالقرن الحادي والعشرون عزّز فيها توجهات التطرّف وكراهية الغير وإقصائه عبر ممارسات سياسيّة وتشريعات برلمانيّة وتجييش إعلامي خاصّة إذا كان عربيًّا أو فلسطينيًّا، ليصل ذلك حدّ محاولة إقصاء كلّ يهوديّ لا يقبل المواقف المتطرّفة في الوسط اليهوديّ.
فالإعلام الإسرائيليّ كلّه من يمينه إلى يساره، ومن شرقه إلى غربه يتحدّث عن التطرّف والأصوليّة في الشرق الأوسط وإيران خاصّة والعالم عامّة، متناسيًا أو ناسيًا، وهنا عن سابق إصرار وترصّد، أن الغالبيّة اليهوديّة بشكل خاصّ، والأقليّة العربيّة بشكل عام، تعاني عبوديّة فكر وموقف سياسيّ،  بل عبوديّة ثقافيّة وحضاريّة يؤكّدها ما تشهده استوديوهات التلفزة عامّة ووسائل التواصل الاجتماعيّ عامّة من  خطاب غرائزيّ عنيف ملخصه الكراهية والإقصاء، ومضمونه نقاش يتعدّى الموضوعيّة والموقف والطرح، وصولًا إلى شخص المتحدّث أي " قل لي من تؤيّد فأقول لك ما هو موقفك، أو كيف أفسّر موقفك". ولعلّ ما رافق انسحاب عضو الكنيست " عيديت سيلمان " من الائتلاف الحكوميّ وانضمامها إلى الليكود والمعارضة هو خير دليل على ذلك، فهي المنبوذة الملعونة التي تم رشقها بأقذع الشتائم، وتم وصفها بأبشع الأوصاف، لكونها رئيسة الائتلاف الحكوميّ الحاليّ، تحوّلت بقدرة قادر إلى محبوبة يتمّ رفعها على كفوف الراحة باعتبارها اتخذت خطوة شجاعة، أو " خطوة صهيونيّة عقائديّة ناصعة القيم " كما وصفها بنيامين نتنياهو .
كما ينسى الإعلام  العبري خلال حديثه عن أخطار الأصوليّة والتطرّف في الشرق أن في إسرائيل " كارهَيْن مهنيَيْن ومحترفَيْن " مثل " بتسلئيل سموتريتش " و" ايتمار بن غفير "، فأولهما الذي يدّعي الإخلاص للدولة تعرّض للتحقيق  لدى جهاز الأمن العام بشبهة تأييد منظّمة محظورة، ولم يكد يؤدّي خدمته العسكريّة، رغم تغنّيه الدائم بأنّ المواطنة الكاملة ( للعرب طبعًا ) لا تتحقّق إلا بخدمتهم العسكريّة، أمّا الثاني فهو عضو الكنيست الوحيد من بين العرب واليهود على حدٍّ سواء الذي أدين بتأييد منظّمة إرهابيّة، وليس ذلك فحسب، بل إن الجيش أبلغه أنه يرفض منحه إمكانية تأدية الخدمة العسكريّة، أي أنه يتنازل عن تجنيده لأسباب منها إدراك الجيش لتأثيرات مواقف بن غفير  التي تعزّز الكراهية ليس ضد العرب والفلسطينيّين فقط، بل ضد كلّ يهوديّ يخالفه الرأي والموقف والتفكير، وبالتالي لا مكان له-  في نظر بن غفير - بين اليهود، إضافة إلى تشجيعه للعنف ضد معارضيه الرأي، كما فعل مع رئيس الوزراء السابق يتسحاق رابين إذ تهجّم على سيّارته المصفّحة، واقتلع الشعار الذي عليها متباهيًا أنه يمكن الوصول إلى رابين كما وصل إلى شعار سيّارته، مع التذكير بأن رابين اغتيل بعد ذلك من قبل يهوديّ متديّن اعتنق مواقف ينتمي فيها  إلى حركة " كاخ " العنصريّة، التي ينتمي اليها بن غفير، والتي تمّ تعريفها قانونيًّا أنها منظّمة إرهابيّة، علمًا أنّ الكراهيّة والعداوات التي يبثها سموتريتش وبن غفير لم تتوقّف عند العرب، بل وصلت حدّ مطالبة سموتريتش بأن يُمْنَع رئيس الحكومة نفتالي بينيت ومؤيدوه في الائتلاف من دخول الكنيس ( المعبد ) اليهوديّ لتأدية الصلاة، أي أنه نصَّب نفسه ناطقًا باسم  الخالق يحدّد من يحقّ له الصلاة، ومن تُحْظَرُّ صلاتُه. ويبدو أنه لن يرتاح له بال حتى تشتعل في إسرائيل حرب أهليّة بين العرب واليهود، وبعدها بين اليهود أنفسهم، خاصةً أن سموتريتش يتّهم العرب داخل إسرائيل بالرغبة في القضاء عليها، وبأنهم لا يعتبرون أنفسهم جزءًأ منها، خلافًا للوقائع على أرض الواقع، فهم يريدون الاندماج في حياة إسرائيل بكافّة جوانبها التشغيليّة والأكاديميّة والاقتصاديّة  والبرلمانيّة والعلميّة ومؤخّرًا السياسيّة بانضمام القائمة العربيّة الموحّدة إلى الائتلاف الحاليّ ( حتى لو جمدت نشاطها الإئتلافيّ مؤقّتًا ). وهي خطوة كان من المفروض أن تشكّل دليلًا قاطعًا على الرغبة في الاندماج والتأثير على مواقع صنع واتخاذ القرار، وأن تؤدّي إلى تخفيف مظاهر العداء والكراهيّة تجاه العرب، فهي خطوة معناها أن العرب تصرّفوا تمامًا كتلك الأقليّات التي تعيش في دولة مختلفة عرقًا وأرادت الاندماج فيها، وأفضل مثال على ذلك هي الجالية الهنديّة التي وصلت بريطانيا ونحت نحو الاندماج والمساهمة في مجال الاقتصاد والأكاديميا، ليتحوّلوا إلى عنصر فاعل وهام وحاسم في الحياة، تمامًا كالدور الحاسم الذي يلعبه المواطنون العرب هنا في الطبّ والهندسة والقضاء والصناعة والعلوم والاقتصاد والعمل وغيرها.

" تأجيج الخلافات والتصدّعات "
توسّم كثيرون خيرًا بالقرن الحادي والعشرين، قبل انطلاقه محمّلين إيّاه رايات هامّة أناطوا به " مسؤوليّة تحقيقها "، هي حريّة الاختيار وكسر وإلغاء الحدود، وضمان حريّات العبادة وحريّة السيّادة، ليتضح أنّ أول عقدين منه كانا على خلاف التوقّعات، فالعالم الذي قالوا إن التكنولوجيا جعلته قرية صغيرة دون حدود، قطعَّت أوصاله الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط وآسيا، ومؤخّرًا أوروبا وفصلت بين أجزائه التوجّهات " القومجيّة " المتطرّفة، وفَرَّقت بين أبناء الدولة الواحدة خطابات الكراهية والإقصاء. والحريّة التي توقّعها الجميع بمعنى قوّة الاختيار التي يتمتّع بها الأفراد في المجتمع، تمت في بعض الأماكن خاصًة في شرقنا، لكنها كانت منقوصة التنفيذ، فالحريّة التامّة في الاختيار تربطها علاقة وثيقة وحميميّة بالمسؤوليّة،  وهي موقف الشخص وإدراكه ومسؤوليّته عن تبعات قراراته، وتأثيرات الاستجابة للأفعال التي يختارها بحريّة. وعليه يمكننا أن نتساءل: إذا كانت المسؤوليّة تأخذ طابع الالتزام والحريّة تحرّر من كلّ إلزام. فهل هذا يعني أن المسؤوليّة تتنافى والحريّة؟ أم أنّ هذا التعارض بينهما غير حقيقيّ، ولا يُحدث تنافرًا بينهما وبالتالي لا يمنع توحّدهما؟ والجواب هو لا، فحريّة الاختيار للمواطن العادي أو الزعيم أو المسؤول يجب أن ترافقها المسؤوليّة. فالمواطن الواعي هو ذلك الذي يقدّس حقّه في الاختيار، لكنّه في الوقت ذاته لا يتجاهل أنّ عليه مسؤوليّة اختياره أو خياراته كلّها، فلا يلقي الأمور على علّاتها أو على غاربها، فاختيار القيادة الإيرانيّة مثلًا تطوير أسلحة نوويّة هو حقّ مشروع لها شرط أن يكون مدروسًا تدرك القيادة عواقبه السياسيّة والاقتصاديّة وغيرها، واختيار مواطني دول عربيّة مثلًا استبدال النظام عبر ثورة بمختلف مسمّياتها وألوانها لا يعفيهم من مسؤوليّة اختيار القيادة البديلة بشكل صحيح ومدروس. وقرار بوتين شنّ حرب على أوكرانيا لا يعفيه من تحمّل مسؤوليّتها، وتصريحات سموتريتش التي تنبذ المخالفين له من العرب واليهود يجب أن لا تعفيه من تحمّل مسؤوليّة خياراته هذه، من جهة تأجيج الخلافات والتصدّعات داخل إسرائيل، وصولًا إلى قطيعة تامّة بين اليهود والعرب وربما إلى الحرب الأهليّة، عملًا بقول " أندريه موروا " إن الحريّة والمسؤوليّة توأمان، لو انفصل أحدهما عن الآخر ماتا جميعًا، بمعنى أنّ الادّعاء بأنني حرّ كمواطن، أو كقائد هي نصف الحقيقة التي تعتبر أخطر من الكذب، أي أن الادّعاء السابق يعني الاهتمام بنفسي أولًا دون اكتراث بالغير، واتخاذ خطوات دون التفكير في عواقبها وتأثيراتها، وهذه هي حريّة مدمّرة ، وبالتالي فإنّ القيادات والشعوب التي لا تملك معرفة معنى الحريّة، ولا تتحمّل مسؤوليّة حرّيتها هذه، تُلحِق الضرر بالعالم، وتوصله إلى ما يشهده اليوم.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
bassam@panet.co.il.


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق