اغلاق

غِمارُ الفرح للزّجّال: توفيق الحلبي | بقلم: نمر نمر

أطَلَ علينا الشّاعر الزّجّال: توفيق الحلبي بديوانه الجديد: غمار الفرح، أشعارٌ وحواراتٌ زَجَلِيَّةٌ، الصّادر هذا العام 2022، حُلَّةٌ قشيبةٌ،غلافٌ مُلوّنٌ مُقَوّىً،

  
صورة توضيحية فقط : istock - juhide

تُحفةٌ خَضْراءُ كدالية الكرمل وَكَرْمٍها وَكَرَمِها، والسّت القدّيسة خضرا التي أقْلَقَتْ مَن يدّعون حراسة الطّبيعة، لكنّ المقام رسخ وصمد رغم أنوف الطُّغاة الغُزاة، هو حلوُ المذاق، داني القطوف، يُغيث الملهوف حتّى أمّ الدّفوف وصبّارين وزمّارين وفي كافّة قُرى وَقِرى دالية الرّوحة وجبل المنارة،مُعرّجاً على الشّلاّلة، البستان، مرج الزّرّاعة، الكرك، بير دوبل، الرّقطيّة وحجلة والمنصورة والياجور وما حولها.

أهدى الشّاعر ثمرة يراعه ألى أسرته بأفرادها: الوالدّين، القرينة، فلذات الكَبد، الإخوة والأقارب، الشّاعر الدّكتور يوسف فخر الدّين، الشّعراء والأصدقاء، وإلى كلّ شرفاء الوطن، كلّ هذا إلى جانب الإهداءات الفعليّة (النُّسَخ)، إلى أصدقائه ومعارفه في طول البلاد وعرضها، مُجَلِّلاً كلَّ نسخة بإطراء وعطاء وخَطٍّ  مُنَمّق مُنَمْنَم يُشير إلى ذوقه الرّفيع.
وقد جابَرَهُ قبلي في تناول زاده ميسوره الشّاعران حسين مهنّا ونايف سليم، وهأنَذا أمُدّ يدي في لُقمة مُجابرة من ميسور الغانمين القائلين: للضيف مفتوحة منازلنا / وْع َ الكَوْن مِضْوِيّة مشاعلنا...

جاء في تقديم د. يوسف فخر الدّين للديوان: يظهر جليّاً من خلال قراءة قصائد الدّيوان أنَّ شاعرَنا مُثقّفٌ، ولا يملّ من القراءة والمطالعة، واعياً لِما يدور حوله من آهاتِ  شعبه ومجتمعه ووطنه،يُعبّر عنها بصراحة دون مُواربة ،وأمّا في الغَزَل فهو رشيق المعاني مع خِفّة الدّمّ والّلباقة التي يمتاز بها...ص7

أبو كنان الزّجّال المعطاء يُعيدنا بلقبه إلى أرض الكِنانة،وقال عنها المرحوم كمال جنبلاط: وَكَمْ من سَهْمٍ توحيدي انطلق من أرض الكنانة! قسّم عمله الإبداعي  إلى مواضيعَ وفصولٍ وأبواب، فجاءت على النّحو التّالي: كرمليّات، الدّنيا أمّ، آراء وأفكار، شروقيّات غزل، باقة غزل، مناسبات ، بين البلاد والدّول، مقتطفات من الافتتاحيّات، من جولات القرّادي، حوارات، وألبوم صور حفلات.

نستأذن أبا كنان في قطف بعض أزاهيره ووروده العَبِقة التي يتضوّع شذاها وصداها في كلّ ركن من أركان حديقته الغنّاء، لعلّ البعض منّا يتمتّع بهذه الأجواء في غِمار ومضمار هذه الخميلة الجميلة، في قصيدة:عرزال الكرمل يختتم:
 وْمِثِل الغْطيطة عليه بْتُمْرُق الأجيال / تاكي ع َ صخر الأزَل باقي على حالو
 وْما بْريد أمْلِكْ أنا كلّ الدّني، ما زال / عندي ع َ سَفْحو وَطَن،عا قَدّْ عرزالو
 وهذا يعيدنا إلى طيّب الذِّكْر:أبي فادي الصّافي، سيّان أكانَ تواردَ خواطرِ، إقتباس، أو عودة للجذور والأصول:
 عرزالنا الأخضر بيفوح بالعنبر / بَعْدو بِهالجورة منصوب يا أسْمر
في قصيدة حياة الفلاّحين يُغرّد أبوكنان ص 14 :
ما احْلى عيشة لِفْلاحة/ بين شمس وْفَي
وْتِسْرَحْ مِن دَغِشة سْراحة /  وْتُورد ع َ الْمَيّ
هذه الحضارة العربيّة الأصيلة والموروث المهني الذي يستجدي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة عند الأجيال الشّابة، غنّى لها كذلك الموسيقار عبد الوهّاب:
 ما حْلاها عيشة الفلاّح / مِتْطّمِّن قَلْبو مرتاح
 وفريد الأطرش كذلك، أدلى بدلوه بين الدّلاء بصوت شَجِيّ:
 يا مْقَبِّلْ يوم وْليلة / إطْوي السّكّة الطّويلة/ وَدّيني لَبَلَدِ المحبوب / وَدّيني للزينة الفلاّحة / مشتاق وْقَتَلْني الشّوق/ والعِشْق يا بوي مِشْ بالرّاحة / لا لْعاشق ولا المعشوق...
هذا التّوفيق بالله لم ينسَ الوالدّين، فغنّى في دمعة يتيم:
قالوا إلي بِعيد الزّهر والبَيْلسان: / لِلْأُمّ شو بِتْقُلّها يا بو كِنان
قُلْتِلْهُمْ: مخجول من دمعة يتيم / مَشْفوحْ عا ضَمِّة صِدِر طافح حنان
 يغوص توفيق في أعماق عربيّتنا الفصحى والعاميّة المحكيّة، ولا عيب في ذلك، بل عرفان بجميلها وأصالتها، تيمّناً بشاعر النّيل القائل:
أنا البحرُ في أحشائه الدّرُّ كامنٌ/ فهل سألوا البحرَ عن صدفاتي

 شدّنا الشّاعر مُجتذباً أحاسيسنا ومشاعرنا بلطافة وغمرة الفرح معه من باب إلى باب،نُحلّق معه في أجوائه وفضائه الرّحب في هذا الكون المغمور بالشّدائد والهموم والحروب المُصطنعة، دون أن يفقد الأمل بِغّد جديد مشرق ،نهبط في مِهْبَط : في ناس وْناس لنتعرّف على أصناف البَشر ص32 :
في ناس ع َجْروح المصايب كابسي/ وْفي ناس ما شافوا ليالي عابسي
وْفي ناس خُبْزة يابسة عَمْ يِشْتْهوا /  وْفي ناس ما بْتِشْبَع بِكُلِّ اليابسة
عن الجناس وضروب البلاغة بلا مبالغة عنده حدّث ولا حرج، أينما قرأتَ وتوقّفت، ويزيدُكَ وضوحاً وتسهيلاً بِشَكْل كلامه،كي يحملك إلى لُبّ الموضوع من أقصر الطّرق، عا القادوميّة القادوميّة،مْقوطَعة.، من القادوميّة إلى القيادة ص39
نِحْنا بْعَصِرْ فِيّو القيادة فاسدي / من دون ضمير وْمِثِلْ جُثّة هامدي
بيناموا في آية "الكُرسي" أكيد / وِبْييُكُفروا "بالفاتحة" وْ"بالمائدي"
وإلى غاية الرّقّة في غزليّاته: بِلا استئذان ص 54 قال:
حاجي يا عُمري بِحنيني تِجْرحي / يَلّلي انْكَتَبْ بيْناتنا م َ بْيِنْمِحي
وِبْوِجْهِكِ نْ كانوا البواب تْسكّروا / مِنْ دون مَ  تْدُقّي عَ قلبي إفتحي

 عن زميله الشاعر الإقرثاوي المرحوم عوني سبيت 1929 – 2008 نظم بصدق وأمانة:
وِاللي بِكَرِّم وَفا وْإخلاص"عوني سبيت" / مِثْلِ ال بِكَرِّمْ وطن مَع كُلّ أشرافو
وعن الكاتب الرّاحل سلمان ناطور:1949 -2016 كتب توفيق في بَكّير يا سلمان:
وْ عَ العصر شاهد كُنتْ في كُلّ آنِ وْأوان /تْصوّر مآسي الشّعب وِتْصوغْ سِرْسابو
إنْتِ الهويّة لِنا والبَيت والعمدان /  والْحَقّْ يَلّلي ما ماتوا يوم طُلاّ بو
بِكْفي شعبنا مِنّا طِلِع  "سلمان " / وْسلمان "مِنّا" مِن أهل البَيت واصْحابو
 وعن مدينة الصّلاة وليلة المعراج ومن مرّوا إلى السّماء قال ص106:
وِالجَوّ وِجّو انْعَكَر وِتْغَيّرِ العَدّان / وْرَجْفَت غصون الشّجر تَخمين مرعوبي
واليوم شُفْت القُدِس أفراحْها أحزان / مِثل العَروس الْ بْيَوْمْ العِرْس مغصوبي

وعن هبَّتَيّ الزّابود في بيت جَنّ الصّمود 1987 ،1997،شدا توفيق ص 109
لو يعطونا المسكوني/ وْكَنْزِ المرصود
م َ مْنَعْطيهم زيتوني / بْأرض الزّابود

أمّا عن سوريا الجريحة،فقد نظم ص 110
سوريا همّها زاد وْتعبها / وْيا ربّي هَوّن عليها صَعِبْها
وْعَنّها رُدّ كُلْ فِتْنة وْمكيدي / وْبَطْشْ جبّار أدوارو لِعِبْها

كما ينقلنا إلى أجواء قصر الحمرا، الأندلس، غرناطة، كفر ياسيف، معليا، ابو سنان عرّابة البطّوف، عكّا، وادي القصب في أمّ الزّينات، برلين، زغلول الدّامور، عمّان، الشّعراء: عادل خدّاج، فيصل الصّايغ، حبيب أبو أنطون، رايق خير،وليد رضا، وائل أيّوب، أحمد نعامنة، محمد زعبي، بلال أبو غوش، نديم زين شعيب..

على الصّفحات 189 -211 نشاهد ألبوم صور للشاعر توقيق الحلبي وزملائه الذين حاورهم وحاوروه حضاريّاً، أدبيّاً وسجالاً مع بحور  الفراهيدي وما طرأ عليها من تجديدات وحداثة وَحَتْلَنَة ، ويختتم ديوانه العامر بقصيدة لزميله اللبناني إلياس خليل الذي كتب عن الشّاعر توفيق وديوانه، حيث قال إلياس:
عُمْرَكْ فرحْ،وِغْمار للأحباب / وْحتّى بفرحنا نُغْمُرْ غْمارَكْ
بْيِدعولَكْ الأحبابْ بالتّوفيق
هذا الألبوم الملوّن هو جزء لا يتجزّأ  من باكورة الزّجال توفيق، على أمل أن تتبعه أعمال أخرى لترسيخ هذا الموروث الفنّي العريق،خلو المذاق كثمار بلادنا بأصنافها المختلفة: موز ريحاوي، برتقال يافاوي،عِنب جنّاوي، تين جِشّاوي ، كُبّة يركاويّة، زيت راماوي، فلفل طمراوي، زعتر ميعاري،حمّص عكّاوي كعك قدسي، كنافة نابلسيّة وتوت أرض قلنساوي، وقهوة سادة بدويّة نَقَبِيّة/قِبْلِيّة.
بعد هذه الرّحلة الخاطفة نقرا تعريفاً بالزّجال والّدّيوان بقلم الباحث والشاعر:الفلسطيني: نجيب صبري يعاقبة.
 دامَت سُفْرَتُكم ممدودة أبا كِنان، والزّاد عند أهلو، وَديرة كَرَم وجود على قارعة الطّريق، خير الله كثير، وحصدْتَ القمح غْمار غْمار! وإلى مزيد من العطاء. داركو عَمار أبو كنان،...وْتُغْمُرْ داركو الْبَسْمة وِلِفْراح، وَلَكُم جزيل الفرح.(بْيدعولَكْ الأحباب بالتّوفيق).


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق