اغلاق

‘ الفقيرُ .. انسان! ‘ - بقلم : وسام عمري

يتقلب الفقيرُ والغنيُ في نِعَمِ الله صباح مساء، ولكن نِعَم الغني الماديّة ظاهرة اكثر لأعين الناس! -وعنها لنا مقال-. لا أعلم مَن الذي رسّخ في عقول الناس أن الغني افضل من الفقير؟!


الاستاذ وسام عمري - صورة شخصية 

ربما يظن الناسُ ان الغنيّ غنيٌ بذكائه وان الفقير فقيرٌ لفشله!. ولكن تدحض الحقيقةُ هذا الظن ، والدليل انّ الانبياء والفلاسفة والعلماء والعباقرة في الماضي او الحاضر ليسوا من الاغنياء في اقوامهم ، بل كادحين فقراء الحال ، وعانوا الأمرّين لجلب الخير لاقوامهم، والنهوض بهم الى مكارم الاخلاق ونحو المعالي …والامثلة لا تُحصى في هذا المجال!
إذاً لماذا نبع هذا الاستنتاج المغلوط؟!

لان القناعات عند الناس مغلوطة واصبحت مبنيّة على المادية الصماء ، واساءوا فهم حكمة الرازق في توزيع نعمه على العباد، واساءوا التعامل مع بحبوحة العيش والمال الوفير ، حيث يتفاخر الواحد منهم ويتباهى ، ويتوهم انه أوتي هذه النِعم بفضل علمه،  وقوة قدرته، وفهلوته البارعة...فحاله كحال قارون كما قال: انما اوتيته على علم عندي. والحقيقة ان هذا دليل على سوء فكره وقصور نظره وانطماس بصيرته!.وحين يرى الناسُ -الذين يريدون زينة الحياة الدنيا - هذه النعم على الغني ، تُثار في نفوسهم الغيرة والحسد و يقولون: يا ليت لنا مثل ما اوتي قارون انه لذو حظ عظيم! ولكَ عزيزي ان تتخيّل مجتمع هؤلاء افراده ، وهذه مفاهيمهم في تعاطي الحياة!

هذه المادية الجشعة التي فرضت ذاتها على عقولهم فشتت افكارهم ووضعتهم بين مطرقتها وسندانها ، ليسوا وحدهم من سيقعون بين فكيها ، لان حينها ستكون طبقة غنية متعالية مسيطرة، وطبقة فقيرة كادحة حاقدة تحلم ان تكون من الطبقة الاولى! حياة تعيسة لا يُعرف بها اهل الفضل والكرامة من اهل الترف والمجون!  ويكون التوقير والتعظيم مغلوط مزيّف حسب مصالح مادية شخصية ضيقة ، ويشيع النفاق الاجتماعي بين الناس ، وينعدم قول الحق والامر بالمعروف .. لان توقير اهل الوقار والفضيلة أدعى إلى توقير علمِهم الذي يحملونه من حكمة وحلول للمجتمع وللناس ، واما في ازدرائهم وإهانتهم وتقليل من شأنهم على حساب اهل المال والشهرة الزائفة …خطرًا على المجتمع.

ان الفقر ليس بشتيمة وكما ان الغنى ليس بمفخرة، بل هي ابتلاءات واقدار وارزاق يوزعها اللهُ كيف وكما يشاء لحكمةٍ عنده، ولكن الشتيمة الحق ، والضرر والأذيّة ان يصبح هذا الغني عديم الاحساس ، فظًا ، عُتُلاً ، منغمسًا في الترف والاسراف فيصبح ملوّثًا بالمكاسب الخبيثة، وقلبه اشد قسوة من الحجارة… فعلى سبيل المثال وليس الحصر ، أن يقوم احدُهم باحتفال مُبتذل لعيد ميلاد ابنه في الروضة او المدرسة بشكل مثير للاشمئزاز حيث يتكلف على الزينة والهدايا اكثر من عشرة الاف دولار، ضارب بهمجيةٍ فظة مشاعر واحاسيس زملاء ابنه الذين يستصعبون ايجاد ساندويشات لسد رمقهم من شدة العوز والفقر! قد يقول قائل انه حر ويريد ادخال السرور على قلب فلذَة كَبِدِهِ.
لا اخي! هذا تعد فاضح على نفسيّة زملائه ، وهذا اشد قسوة من التعدي الجسدي لاثره السلبي لأمدٍ طويل ، فهناك الف طريقة يستطيع من خلالها ادخال السرور على قلب ابنه كما يشاء! ان مثل هذه الامثلة الجارية بالفعل، يجب ان تتوقف ومنعها بشكل صارم ، لانها ليست حرية شخصية بل تعديًا سافرًا واستعلاء على الفقراء! وآثارها النفسية سلبية على سلامة المجتمع .
وهذا يقودنا الى امثلة وتساؤلات عديدة :
هل يرى هذا الغني ان اخاه الفقير … انسان؟
هل يطغى الانسان الغني ويحوّل غناه من نعمة الى نقمة؟ هل المشاعر الجيّاشة والاحاسيس المرهفة تقل عند الانسان مع زيادة ثروته؟
أيّهما اشد نقمة على الانسان والمجتمع: الفقر أم الغنى؟ كيف تسمح الدولة او النظام بوجود افراد يملكون اموالًا طائلة ؟
هل من المعقول ان يملك مواطن ثروة اكبر من ميزانية دولة باكملها؟!
هل من الايمان ان يبيت الانسان شبعان وجاره جائع؟!
هل النظام الاقتصادي القائم اليوم خير أم شر؟!
وأخيرًا هل فشلت البشرية بايجاد نظام اقتصادي عادل؟! أم ما زالت تعاند؟!
ندعو الناس لطرح هذه المواضيع على طاولة الحياة، وعلى المختصين الاجابة عن هذه التساؤلات بشكل موضوعي مهني منصف، لعلّ وعسى حفّز ذلك على تغيير هذا الجشع الذي نحياه، وأحب الانسانُ اخاه ، وساد العدلُ والرخاء!

 


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من مقهى بانيت اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقهى بانيت
اغلاق