اغلاق

في ‘ذاكرة لا تصدأ‘:مائة عام لم تُبدد الحنين للكفرين

واكبت الحلقة الرابعة والثلاثون من سلسلة "ذاكرة لا تصدأ"، لوزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية واللجنة الشعبية للخدمات في مخيم الفارعة،


الحاج محمد كايد سرحان


حكاية محمد كايد سرحان، الذي يوشك إتمام المائة عام، قضى حصة الأسد منها في انتظار العودة إلى قريته الكفرين، 29 كيلومترا جنوب شرق حيفا، دون أن يخبو حنينه.
يحمل الحاج سرحان، بطاقة هويته برتقالية اللون، تؤكد أنه ولد عام 1917، فيما يقول أولاده وأحفاده إنها تقديرات عشوائية، فهو تخطى القرن، ويبدأ في رحلة شاقة للعودة بذاكرته إلى مسقط رأسه.

أرض وماء
يقول: كنت أعمل في أراضي والدي، ولا أنسى أم اليتامي، وأم العبران، ووادي العرايس، والطويل، وعين الكفرين، والحواكير، والمرشقة، وتلة الزعترة، وأم القرامي، وطريق العرب الذي كان يربط بلدنا بمرج ابن عامر ويافا، والبيادر، وبئر خميس، ووادي البزاري، وعين البلد، ووادي العرائس، ووادي الحنانة.
ورعيت الأغنام في سن مبكرة، بعد أن خرجت من المدرسة نهاية الصف الثالث الابتدائي. وشاهدت الشيالين ( مستخدمو الجمال في نقل البضائع)، وكانت بلدنا قليلة الزيتون والشجر، وكثيرة القمح والعدس والسمسم والكرسنة والخضروات، وذات ارض سهلية وهواء يرد الروح. وحين كانت تثلج الدنيا كنا نتخيل أن الجبال ستقع عليه، وكان المطر وفيراً، ولم نر الشمس في المربعانية (أربعينة الشتاء) إلا في المناسبات.
وتستقر في ذاكرة الراوي أسماء عائلات قريته التي اشتهرت بمزارعها ومواشيها، فيعدد وهو يأخذ قسطاً من الشمس مدخل دكانه الصغير وسط مخيم الفارعة، بعض عائلاتها: سرحان، والغول، وخليفة، والعسوس، ونعجة، وعبد الجواد، والحاج يوسف، وأبو لبّادة، وأبو سرّيس، أما مختار البلد فأديب أبو نجمة، الذي كان من حيفا، بينما كان أمام المسجد الشيخ عبد الله الأحمد، ونعيم دروزة مدير المدرسة ومعلمها الوحيد، والنجار جبر وأولاده.

حيفا في الذاكرة
يضيف: كنا نتنقل إلى حيفا بالباص، وندفع له 4 قروش في الذهاب والعودة، ونركب من وادي الجعارة، وكنت أزور أخوالي وجدي برفقة أمي يسرى في حيفا، وشاهدت القطار، والبحر، وأذكر جيداً الكرمل والهادار. وكانت أمواج البحر تضرب مركز البوليس (الشرطة).
وبالكاد يستطيع الحاج سرحان السمع، ويتحسر على بصره الذي كان يرى النجوم وقت الظهيرة، قبل أن يخفت. لكن لا تغادر ذاكرته مشاهد بيت عائلته الطيني وسط القرية. ويتابع: كان جيراننا دار الحاج يوسف، وعائلة قاسم، وأبو الشيخ عوض، وأبو حامد، ومساحة أرض والدي  70 دونماً تقريباً، ولم يكن بها شجرة واحدة.
ووفق أبو رشيد أو أبو يوسف ( بعد وفاة ابنه البكر)، فقد راجت في الكفرين مهنة نقل القش والبضائع والحجارة على الجمال، واكتسبت بعض عائلاتها الاسم من هذه المهنة. وتستقر في ذاكرته ما كان يسمعه من توجه المرضى من بلدته إلى حيفا، ودفع أجور المعلم بالبيض أو القمح أو الكرسنة (المقايضة).

ثورة وئدت بالخيانة والطائرات
يفيد: كنت شاباً قبل أن نخرج من الكفرين، وسمعنا عن 17 مقاتلاً صمدوا في جبال أم الفحم، أيام الثورة، لكن الدواسيس (العملاء) أوشوا بهم، وضربتهم الطائرات بالنار، واستشهدوا.
سمع سرحان بيوسف أبو درة، ويوسف الحمران، والشيخ عطية، أيام الثورة، وكن يمضي معظم وقته في حقولها، ولا ينسى ماء نبعها الباردة في الصيف.
يفيد: تزوجت وأنا ابن 20 سنة، وكان مهر العروس 50 جنيهاً، وبعضهن 70، وكنا نشتري دونم الأرض بجنيهين. وأجبرنا على الخروج قبل أن نحصد القمح، وشاهدت محمود أبو نهية، الذي سرق اليهود 200 رأس غنم منه،  فمات حسرة على رزقه.
تنقل سرحان بين أم الفحم وعانين واستقر به المقام في مخيم الفارعة، وسبق أن تعرض لحادث عمل أصاب يده من قلع الحجارة وتكسيرها، فأضطر لعلاج نفسه بنفسه بطريقة شعبية، ولا زال أثر الحادث على جلده.
وبحسب أبو رشيد، الذي يبدو صعب المزاج، ولا يحب كثرة الأسئلة، فإن أكثر الأمراض التي تسري اليوم هي العمى والصم؛ لكثرة ما سمع الناس وما شاهدوا من أخبار مؤلمة، ولحسرتهم على بلادهم الضائعة.
يقول: لا أميز أحفادي، فعددهم أكثر من 40، وابنتي البكر (أم زياد في أواخر السبعينات من عمرها)، وأحفادي الأصغر (ابنة وابن) لم يكملوا الأسبوع بعد، وأتمنى أن أموت في الكفرين.

اقتلاع من القرية
واستنادًا إلى الموسوعة الفلسطينية، وما جمعته السلسلة من روايات، فقد أدعت "العصابات الصهيونية أنها احتلت القرية في 12 نيسان 1948". وتفيد سجلات جيش الإنقاذ العربي أن القوات العربية انسحبت في اليوم التالي من منطقة تقع غربي الكفرين تماما. وكان هجوم فرقة  "البلماح" على الكفرين جزءا من عملية شنت بعد معركة (مشمار هعيمك).
ووفق صحيفة (نيورك تايمز)، فإن رئيس الوكالة اليهودية دافيد بن غوريون، وقيادة الهاغاناه عندما رفضا عرض جيش الإنقاذ العربي وقف إطلاق النار في هذه المعركة، قررا أيضا مهاجمة نحو عشر قرى مجاورة للمستعمرة وتدميرها، ومن جملتها الكفرين التي كانت كبراها. وذكرت الصحيفة نفسها في 12 نيسان  نقلا عن إذاعة الهاغاناه، إن الكفرين كانت خامس قرية تُحتل من بين القرى المحيطة بمشمار هيعمك.
ويسرد المؤرخ الإسرائيلي بني موريس إن القرية دمرت جزئيا في أثناء احتلالها، لكن التدمير النهائي أرجئ أسبوعا بسبب خطة البلماح القاضية باستخدام القرية لتدريب الوحدات على القتال في المناطق المبنية. وفي 19 نيسان أعلمت هيئة أركان "الهاغاناه" بأن  تدريبات فرق المشاة على القتال في المناطق المبنية أجريت أمس جنوبي "مشمار هعيمك" وشرقها، وعند انتهاء التدريبات دمرت  الكفرين تدميرًا تامًا.

توثيق
وأشار منسق وزارة الإعلام في طوباس والأغوار الشمالية، عبد الباسط خلف إلى أن "ذاكرة لا تصدأ" استطاعت وهي تقترب من إكمال سنتها الثالثة، جمع قصص عشرات القرى المدمرة في قضاء حيفا ويافا وغزة وطولكرم وجنين وبيسان، وسجلت شهادات شفوية لقرابة 50 رجلا وامرأة اقتلعوا من ديارهم، اختطف الموت 6 منهم، قبل أن تعود أجسادهم لترتاح في مسقط رأسها، كما كانوا يحلمون.



لمزيد من اخبار فلسطينية اضغط هنا


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ panet@panet.co.il

لمزيد من اخبار فلسطينية اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
اخبار فلسطينية
اغلاق