اغلاق

وكيف يبلغ البنيان تمامَهُ ؟ مقال بقلم: المحامي زكي كمال

تمامًا كغيره من فروع العلوم الاجتماعيّة التي تكرِّس، بل تقدّس اختلاف الطروحات والتوجّهات والآراء المتعلّقة بتحليل الظواهر المختلفة في الدول والمجتمعات،

 
المحامي زكي كمال

 وتعتبر هذه الاختلافات إحدى مظاهر الثراء والجمال وأسباب الإبداع والتقدّم وعوامل الجذب والاهتمام، يشكّل مجال العلوم السياسيّة أرضًا خصبة لتعدّد المواقف والطروحات والتحليلات لظاهرة ما يشهدها مجتمع ما، أو دولة ما، أو لسلوك سياسيّ واجتماعيّ يسود لفترة أو أخرى دولًا ومجتمعات.
وهذا صحيح في كافّة القضايا ذات الصلة، ومنها استقرار المجتمعات، أو الدول وصمودها أمام الأزمات، أو على النقيض، أسباب ضعف الدول والمجتمعات، وحتى أسباب وهنها وربما انهيارها، انطلاقًا من إيمان كافّة خبراء العلوم السياسيّة والاجتماعيّة، بأن ما تعيشه الدول والمجتمعات من هدوء واستقرار ورغد في الوقت الراهن، لا ضمان استمراره إلا إذا توفّرت الظروف لذلك، أي أنها ليست مفهومة ضمنًا، فالأحوال المستقرّة، قد تتبدّل في أي لحظة.
وبخلاف الأحداث  الفوريّة والسريعة التي قد تؤدي إلى فناء أعداد كبيرة من البشر كالسلاح النوويّ، كما في مدينتي ناغازاكي وهيروشيما وانهيار دولة ما كاليابان مثلًا، في الحرب العالميّة الثانية، أو وباء فتّاك، فإن التاريخ الحديث خاصّة يثبت أن انهيار الحضارات والدول والمجتمعات تدريجيّ ومرهون عادة بطيف واسع من العوامل، تجتمع فيها العوامل الداخليّة والخارجيّة، ويختلف الخبراء في تقييم أيّ منها هو الأهمّ والأكثر تأثيرًا، وهو خلاف حول العوامل التي تحدّد وتيرة ومدى وأسباب انهيار المجتمعات والدول، وهل هي العوامل الخارجيّة أو الداخليّة.

" أجراس إنذار "
رغم هذا الاختلاف بين أصحاب الرأي في القضايا السياسيّة والمجتمعيّة، وأسباب انهيار المجتمعات وضعفها، وهو اختلاف له ما يبرّره، ولكلّ خبير فيه أدلّة يعتبرها قاطعة، تعزّز مواقفه، إلا أن اتفاقًا واضحًا وجليًّا يسود بينهم كافّة، حول " أجراس إنذار " تشير إلى هذا الضعف والهوان، فعلاماته هي تراجع سريع ومتواصل في الأمن والأمان وشعور السكان وانتمائهم، وفقدان الهويّة، وتداعي ركائز الأنظمة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وهي حالة تسود بسببها أو معها أو بعدها الاضطرابات مع تفشّي أعمال العنف والاشتباكات في البلاد، ويزداد خوف الناس ويزداد، كما يقول هومر ديكسون، العالم السياسيّ الكنديّ والباحث في  جامعة واترلو، تعلّقهم بالجماعة التي ينتمون إليها، سواء كانت دينيّة أو عرقيّة أو قوميّة، يرافقها لجوء إلى إنكار الحقائق والواقع وتجاهل مؤشّرات الانهيار والضعف ورفضها، حتى لو كانت مثبتة بالأدلّة، وفوق ذلك توجيه اللوم أساسًا إلى من هم خارج مجموعتهم التي ينتمون إليها،  وحتى لو واجهت المجتمعات المختلفة نفس المشكلة،  فإن تداعيات الانهيار ستمسّ الدول والمجتمعات الأكثر فقرًا  والأضعف بناءً واقتصادًا .
السؤال حول أسباب انهيار المجتمعات، أو تماسكها ليس سؤالًا بدهيًّا، والإجابة عن هذا السؤال ليست على درجة من البساطة، فمجتمعات معيّنة تزدهر مثلًا بسبب تنوّع أفرادها العرقيّ، أو بسبب تشابهها عرقيًّا، بينما مجتمعات أخرى تشترك في نفس الصفة تنهار سريعًا، وتدخل في حالة من العنف الدائم الذي يمكن وصفه بأنه إرهاب مدنيّ. وهو ما يعيشه في السنوات الأخيرة خاصّة المجتمع العربيّ في إسرائيل، أو حتى الحروب الأهليّة والصدامات الداخليّة  بفعل تأثيرات داخليّة، أو تدخلات عناصر ودول أجنبيّة، كما حدث في سوريا، وكما يحدث اليوم بين روسيا وأوكرانيا من جهة، وانهيار دولة كاملة اقتصاديًّا، كما يحدث في لبنان وبشكل أخطر وأقسى في سيرلانكا.
ظاهرة، بل آفة الجريمة والعنف فـي المجتمع العربيّ فـي إسرائيل، خضعت للكثير من  التنظير والتحليل، بل إنه تم  بحثها من كافّة جوانبها في محاولة لوضع حلول لحالة الجريمة والعنف المستفحل فـي المجتمع العربيّ، خاصّة أنها تشكّل، في نظري، حالة خاصّة وخطيرة يكون بها الجاني والمجنيّ عليه، أو المجنيّ عليها، من أبناء  نفس المجتمع العربيّ فـي إسرائيل، دون أن  يعني  ذلك بأي حال من الأحوال أن لا دور لدولة اسرائيل، وشرطتها وسائر وسائل تطبيق القانون، ولا مسؤوليّة لها في استفحال العنف والجريمة فـي المجتمع العربيّ.
وهي حالة تستوجب إضافة إلى طرح الأسئلة المعتادة حول دور الشرطة من عدمه، وحول وجود سياسة واضحة، أو نية سياسيّة، وربما خطّة حكوميّة لمواجهة العنف، طرح أسئلة وتساؤلات حول دور المجتمع ذاته الذي يعاني العنف، ودور أفراده خاصّة وأنه من الواضح أن أولئك الذين يحملون السلاح ويستخدمونه لترهيب الناس وإخافتهم والاعتداء على ممتلكاتهم وأجسادهم وأرواحهم، هم أقليّة قليلة وضئيلة تستخدم العنف والغوغاء نموذجًا مسيطرًا على تصرفاتها في المجتمعات، بشكل لا يلتزم بالمعايير الدينيّة، أو الأخلاقيّة، أو النظم القانونيّة والدستوريّة، وبالتالي ألا يستحقّ أفراد هذه المجتمعات ما تطلبه غالبيتهم من العيش الكريم والخدمات المدنيّة اللائقة، وإمكانيّات العمل والتعليم والإبداع والإنتاج الفنيّ والأدبيّ، إضافة إلى توقّف الفئات العنيفة عن تجيير الدين والعادات والتقاليد والمبنى الاجتماعيّ العائليّ والحمائليّ وأحيانًا الطائفيّ، لتحقيق مآربهم عبر استخدام للعنف لا يمكن في حالة المجتمع العربيّ في البلاد، فهمه دون الاعتراف بأنه يتعلّق بشكل تعامل المواطنين العرب مع السلطة وموقفهم منها، وثقافة انعدام الانصياع للقانون التي تطوّرت في هذا السياق، إذ استحوذت على المجتمع العربيّ، بفعل عدم ثقته بالسلطات الرسميّة، فكرة أنّ العنف هو الطريقة الشرعيّة لتسوية النزاعات بين أبناء المجتمع، وهنا يحضرني قول ألبرت أينشتاين:" أن السلام ليس غياب الحرب، بل حضور العدالة والقانون والنظام وباختصار حضور الحكومة".

" انتظار الفرج "
وعليه فإن حضور وأداء السلطات المتدنّي في المجتمع العربيّ في إسرائيل، يسهم باستمرار أعمال العنف الدمويّة في المجتمع المحلّي وهي بدورها تُسفر عن وقوع الضحايا بشكل شبه يوميّ تقريبًا، كما نشهد في مختلف المدن والقرى العربيّة، مع التأكيد على أنّ المجتمع العربيّ جنى ويجني على نفسه جرّاء هذه الظاهرة.
وعليه، يقع على عاتقه أن يؤدّي دوره في الحدّ من العنف، وألا ينتظر أن يأتيه الفرج من الحكومة فحسب، فأضرار العنف لا تقتصر على الأفراد فقط، ولا على الجاني والضحيّة، أو حتى محيطهما القريب، بل تمتد آثاره وسلبيّاته لتشمل المجتمع بأكمله، فهو يؤدّي إلى ارتفاع وتزايد معدّلات الجريمة والسرقة، وتفشّي نسب الصراعات والخلافات بين فئات المجتمع وفقدان قدرة المجتمع الفعليّة على التقدّم والتحقّق، وإثبات تطوره ومكانته وسط المجتمعات الأخرى والتأثير سلبًا على سير الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والتشغيليّة والأكاديميّة، ويؤدّي إلى شلل كامل أو جزئيّ لعجلة العمل والإنتاج في المجتمعات نتيجة لضعف الأفراد وانخفاض معدّلات إنتاجيّتهم وخوفهم الدائم وانشغالهم بحماية أنفسهم وضمان أمنهم الشخصيّ وسبل معيشتهم ربما بأبسط مقوّماتها وفق سلم ماسلو.
إضافة إلى أنه على الحكومة وضع خطّة جادّة للتصدّي لأسباب العنف، هذا إذا رغبت الحكومة حقًّا بقطع دابره، تشمل جمع السلاح المنتشر بكثافة من البلدات العربيّة، ومحاربة الجريمة بيد من حديد، وعدم الاكتفاء بزيادة الميزانيّات المخصّصة للبلدات العربيّة، بل تحسين الخدمات المقدّمة للمجتمع العربيّ بكامله من قضايا السكن ومسطّحات القرى والمناطق الصناعيّة، وتحسين مستوى التعليم، وزيادة إمكانيات وآفاق اندماج المواطنين العرب في حياة الدولة ليس فقط برلمانيًّا وسياسيًّا، كما فعلت القائمة العربيّة الموحّدة بانضمامها إلى الائتلاف الحكوميّ الحاليّ، رغم الانتقادات الواسعة، والتي كان آخرها انتقاد زعيم حركة " حماس" الذي دعا المواطنين العرب في إسرائيل إلى حمل السلاح ليأتي الردّ من القائمة الموحدة أن مواطني إسرائيل العرب يمارسون نضالهم بطرق برلمانيّة ومدنيّة سلميّة وقانونيّة، وأنه لا يحق لأحد إسداء النصائح لهم، بل أيضًا تشغيليًّا وأكاديميًّا وصناعيًّا، أي جعل البلدات العربيّة صالحة للمعيشة ما يبعدها عن التحوّل إلى  بؤر للإجرام والعنف، وفوق كلّ هذا فإنه يستوجب من الحكومات المتعاقبة والمجتمع اليهوديّ صاحب الأغلبيّة في البلاد، النظر في المرآة والإجابة بشكل صريح وبنظرة عقلانيّة واعية عن سؤال يقضّ مضاجع هذه البلاد منذ عام 1948، وهو مواقف اليهود تجاه الأقليّة العربيّة وما إذا كانت تريدها فعلًا جزءًا من حياة الدولة بكافّة مناحيها وجوانبها، أو أنها تعتبرها " طابورًا خامسًا وخطرًا أمنيًّا "، وبكلمات أخرى واضحة: هل تريد حكومات إسرائيل وأحزابها ومواطنوها الحفاظ على إسرائيل دولة  شبه ديمقراطيّة، أو ديمقراطيّة شكليّة كما هي اليوم، أم أنها تريدها دولة ابارتهايد، ودولة لليهود فقط.

" ضمانات أكيدة "
قولي هذا لا يتوقّف عند الجوانب السياسيّة، أو مواقف الأحزاب فقط، فاندماج المواطنين العرب ودمجهم وعدم إقصائهم اقتصاديًّا وتشغيليًّا، ورغم أنهم يشكلون أقل من 25% من السكان، هو واحد من الضمانات الأكيدة لاستمرار دوران عجلة الحياة والعمل في المرافق الصحيّة والتعليميّة والأكاديميّة والتشغيليّة، خاصّة أن نسبة المنخرطين في سوق العمل من المواطنين العرب رجالًا ونساءً تزداد بشكل متواصل مقابل انخفاضها في أوساط اليهود أنفسهم مع الإشارة إلى النسبة المتدنّية لهذه المشاركة في الوسط اليهودي المتزمت –الحريديم -، وليس ذلك فقط، فالتاريخ والتجربة يثبتان أن الإقصاء هو آفة نعرف كيف تبدأ لكننا لا نعرف كيف تنتهي، فإقصاء المواطنين العرب عن الحياة الاقتصاديّة، وطيلة عقود عن المشاركة في الحياة السياسيّة بشكل فعليّ، كان البداية والضوء الأحمر الذي لم ينتبه إليه أحد، ليصل الإقصاء المتبادل، بل التخوين العلاقة بين الأحزاب السياسيّة اليهوديّة بين اليمين واليسار وبين المتديّنين والعلمانيّين، وبين اليهود من أصل شرقيّ ( الذين قدموا من الدول العربيّة ) وأولئك الغربيّين ( الأشكناز )، وهذا ما حصل بالنسبة لأعمال العنف والإجرام بمختلف أنواعها التي سادت وتسود المجتمع العربيّ، فقد تجاهلها الجميع من شرطة ومحاكم وسياسيّين ظنًّا أو أملًا أنها ستبقى محصورة في " الساحة الخلفيّة "، أي المجتمع العربيّ حتى " وقعت الفأس بالرأس " ووصلت هذه الآفة المجتمع اليهوديّ، وتم استخدام الأسلحة غير المرخّصة التي طالما حذّر المواطنون العرب من تكدّسها وسط تجاهل صارخ، وربما مقصود من الشرطة، في اعتداءات مسّت المواطنين اليهود خاصّة ذلك الذي وقع في مدينة الخضيرة ونفّذها مواطنان من مدينة أم الفحم .

" ثراء مجتمعي "
التنوّع العرقيّ والاجتماعيّ والمذهبيّ، في نظري، هو دليل ثراء مجتمعيّ إذا تم وسط احترام متبادل وتفهّم، بل إيمان راسخ أن " اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية "، أي عبر قبول الغير وعدم محاولة أيّ طرف فرض رأيه ومواقفه وسطوته على غيره، خاصّة إذا كانت هذه المحاولات من منطلقات دينيّة ( خلافات بين أتباع الديانات )، أو طائفيّة ( بين أتباع  نفس الديانة ).  وهذا ما حدث في يوغسلافيا التي انهارت من الداخل،  أي بفعل عوامل داخليّة، إذ فتتها حرب أهليّة  اختلط فيها العامل الدينيّ بين  البوسنة والهرسك اللتين تسود فيهما الديانة الإسلاميّة، وبين الصرب(الكاثوليك) ، أو السياسيّ  القوميّ بين الصرب وكرواتيا (كلاهما تسود فيهما المسيحيّة الكاثوليكيّة)، وهو سبب الحرب بين روسيا وأوكرانيا اليوم، والتي تغذّيها عداوات بقيت مستترة طيلة نحو سبعين عامًا، أي منذ الثورة الشيوعيّة في الاتحاد السوفييتي عام 1917 وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي، مقوّماتها رفض الفئات التي تعيش في نفس الدولة الاندماج في مجتمع واحد يجمعه التعدّد دون تنازل أيّ منها عن معتقداته ومميزاته الخاصّة القوميّة والدينيّة والاجتماعيّة والجغرافيّة والسياسيّة.
وإلى هذا يجب أن نضيف مواقف الولايات المتحدة " مهندسة العالم " التي كانت الأولى، بل الوحيدة التي بادرت رغم أنها ليست عضوًا في حلف الأطلسيّ، أو الاتحاد الأوروبيّ، إلى إعلان ودعم وتشجيع ضمّ أوكرانيا إلى هذا الحلف، وهو ما اعتبره فلاديمير بوتين اعتداءً على سلامة أراضي روسيا، ولم تكتفِ أمريكا بذلك، بل أنها عملت على ضمان استمرار الحرب بعد اندلاعها عبر استمرار دعم أوكرانيا بأسلحة " لا تُغني ولا تُسمِن من جوع "، ولا يمكنها تغيير ميزان القوى لكنّها " تضمن " استمرار الحرب على نار هادئة خاصّة، وأن أمريكا وأوروبا تكرران أنهما لن ترسلا جنودهما للقتال في أوكرانيا، وكأنهما تقولان للرئيس الأوكراني أنهما تتركانه يواجه مصيره، أو أنهما قرّرتا " مواجهة روسيا بوتين والقتال حتى آخر جنديّ أكرانيّ " ( زلينسكي لم يفهم الرسالة بعد )، ما يعني عمليًّا أن الدول الديمقراطيّة، أو شبه الديمقراطيّة تنهار اجتماعيًّا أولًا من الداخل سواء كان ذلك عبر خلافات وكراهية وإقصاء للمختلفين لونًا ودينًا وموقفًا وعرقًا، ثمّ يأتي الانهيار السياسيّ، فتنهار المجتمعات غير الديمقراطيّة بفعل عوامل، أو جهات خارجيّة تستخدم فئات، أو مجموعات داخليّة، أو بكلمات أخرى، مجموعات من الداخل تخدم مصالح خارجيّة، كما حدث في سوريا، التي سادتها حرب أهليّة شاركت فيها جماعات تحرّكت لخدمة زعيم البلاد من جهة، وأخرى تحرّكت بأجندات سياسيّة أجنبيّة عربيّة ودوليّة سياسيّة، وبتمويل ماليّ وعسكريّ من أصحاب هذه الأجندات. وكم بالحري إذا كانت هذه الأجندات دينيّة، أو تكتسي بغطاء الدين، كما كان في حالة " داعش " والقاعدة والحوثيّ في العراق وسوريا واليمن وأفريقيا خاصّة نيجيريا والصومال، أو تنهار اقتصاديًا، وتصل حدّ إفلاس الدولة كما في لبنان بفعل خلافات داخليّة تخدم أجندات إيران والخليج وفرنسا، أو سريلانكا التي تشهد أزمة اقتصاديّة بفعل ديون خارجيّة متراكمة تبلغ نحو 50 مليار دولار، تعزوها الحكومة إلى الكورونا ( رغم أنها انتهت في العالم )، لكنّها في الحقيقة نتاج سوء إدارة وتسلّط قلّة على مقدرات الدولة. وهو انهيار ناجم جزئيًّا عن تأثير الوباء وفقدان عائدات السياحة، لكنّه تفاقم بسبب الإنفاق الحكوميّ المتزايد والتخفيضات الضريبيّة وسداد ديون ضخمة إلى الصين ما جعلها تعيش أسوأ أزمة اقتصاديّة في تاريخها، فهي مثقلة بديون خارجيّة، منها ما يزيد على 7 مليارات دولار مستحقّة هذا العام وحده، في وقت يتراجع احتياطها من النقد الأجنبيّ.
ويقول خبراء إنه من المتوقّع أن يُعلن عن إفلاس سريلانكا خلال العام الجاري 2022، والسبب الذي أدّى إلى تفاقم أزمة سيرلانكا هو قيام حكومتها بتخفيض كبير على الضرائب وزيادة الإنفاق.

" فشل بالكامل "
إزاء دور أمريكا في الحرب في أوكرانيا خاصّة، والأحداث التي يشهدها العالم، لا بدّ من طرح السؤال حول دور الولايات المتحدة والذي تباهت طيلة عقود بوصفه بأنه " بناء وإشاعة للديمقراطيّة في العالم "، وهو ما تثبت نظرة للوراء أنّه دور قد فشل بالكامل، فهي غزت أفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من أيلول لقهر طالبان والقضاء عليه لتضطر في النهاية وبعد 20 عامًا إلى الانسحاب وهي تجرجر أذيال الخيبة، وتتخلّى عن زعماء هناك هي صنعتهم ودعمتهم، ومن ثمّ بجرة قلم تنازلت عنهم، وتركتهم يواجهون مصيرهم المحتوم، ناهيك عن أنها تاريخيًّا هي من صنعت الحركات الدينيّة هناك عبر دعم سياسيّ وماليّ وعسكريّ غير مباشر " للمجاهدين المسلمين " الذين وصلوا بآلافهم إلى أفغانستان لمحاربة الشيوعيّين والاتحاد السوفيتيّ.
وهم الذين تحوّلوا بعد انسحاب القوّات السوفييتيّة إلى طالبان، ومن ثمّ القاعدة، ومن ثم " داعش " في العراق وبوكو حرام في نيجيريا وغيره.
ورغم ذلك فإن أمريكا، ولكونها من رسم سياسات العالم واستراتيجيّاته حتى الإعلاميّة في العقود الثلاثة الأخيرة تواصل القول إن الدين أو الحركات الدينيّة (هي صنعتها كما سبق، أو دعمتها كما في حال الإخوان المسلمين في مصر بعد تنحية حسني مبارك ) هي العدوّ الأول لها  وللغرب وللديمقراطيّة، وهي نفسها أمريكا التي فعلت كلّ ما بوسعها منذ عام 1979 ( الثورة الخمينيّة في إيران ) لإضعاف نظام ولاية الفقيه في طهران، ومنعه من التسلّح وامتلاك أسلحة متطورة، لكنها هي نفسها التي توصلت مع طهران إلى اتفاق نوويّ كان الجميع يعرفون أنه سيؤدّي في النهاية إلى امتلاكها أسلحة نوويّة، أو تقنيّات نوويّة على الأقل، وهي نفسها التي أرادت تنحية بشار الأسد، لكنها في النهاية قبلت بسيطرة إيران وروسيا وتركيا على سوريا وسحبت كافّة جنودها من سوريا والعراق، ورفضت التدخّل عسكريًّا في سوريا ( حتى في حالة الحديث عن احتمال استخدام أسلحة كيماويّة ضد مدنيّين )، وهي نفسها التي غزت العراق مرتين لتنحية صدام حسين " الدكتاتور" وإحلال الديمقراطيّة بمقاسات العم سام، والنتيجة دويلات وطوائف وقبائل وفقر مدقع  وانهيار للمنظومات الأكاديميّة والاجتماعيّة والسياسيّة والماليّة، بل كافّة المنظومات الحياتيّة، أي انهيار دولة بكاملها وافتقارها إلى الكهرباء حتى،  وهي نفسها التي "حرَّضت وحثَّت " أوكرانيا على الانضمام إلى الناتو متجاهلة تبعات ذلك، بل أكثر من ذلك متجاهلة وجود مجموعات عرقيّة إذ تعتمد أوكرانيا فوقيّة العرق الأبيض  بشكل يشابه النازيّة، أو نظرية العرق الآري ( مجموعة إيزوف) وكراهية الغير دينيًّا، خاصّة كما اتضح من أحد الأفلام التي وزّعتها هذه المجموعات، ويظهر فيها أفرادها يمسحون الرصاصات في بنادقهم بدهن الخنزير قبل إطلاقها باتجاه مقاتلين شيشان مسلمين يدعمون روسيا، متناسية أن موقفها هذا يكرِّس الحرب بتأثيراتها ليس فقط السياسيّة والعسكريّة، بل الاقتصاديّة على العالم أجمع ( باستثناء أمريكا طبعًا )، وارتفاع أسعار الغذاء كالقمح والذرة ( بنحو الضعف منذ بداية الحرب ) ما جعل دولًا عديدة منها مصر تشهد حالات ملخصها عدم قدرة مواطنيها على شراء الخبز، وهي تستورد القمح من روسيا وأوكرانيا ( رحم الله أيام كانت مصر مخزن  القمح ومنتجه الأول في العالم )،  وينذر بأن يعاني أكثر من نصف سكان اليمن مثلًا من سوء التغذية وصولًا إلى المجاعة، ويفتقرون إلى الدواء والمواد والأسمدة الزراعيّة، فضلًا عن ارتفاع أسعار النفط دون أن تكبّد أمريكا نفسها عناء سدّ النقص الحاصل في العالم جرّاء الحظر الذي فرضته مع دول أخرى أوروبيّة على استيراد النفط الروسيّ والأسمدة الكيماويّة الروسيّة التي ارتفع سعرها بنحو 30%، وهذا ينذر بكارثة اقتصاديّة عالميّة وتفشٍ للجوع خاصّة في الدول الفقيرة من جهة، مع استمرار أمريكا والدول الأخرى المصنعة للأسلحة كبريطانيا والصين وإسرائيل، في استخدام هذه الحرب - التي تسبّب الفقر والجوع - شمّاعة بل فزّاعة تهديد لهذه الدول ملخصها أن عليها أن تكون قويّة عبر استيراد الأسلحة بمئات مليارات الدولارات منها إذا ارادت الحفاظ على أمنها من جيرانها، خاصّة اذا كان التوتر يسود بينها ( الصومال وأثيوبيا مثلًا) .

" دلالات كبيرة "
وعودة إلى إسرائيل، ففي خطوة اعتبرها ذات دلالات كبيرة وهامّة، قرّر الشاباك ( جهاز الأمن العام ) ضمّ " الجناح " أو الدائرة الخاصّة باليهود، إلى صلاحيات " اللواء الشماليّ " فيه، والذي يُعنى بمراقبة وتتبّع المواطنين العرب، ما يشكّل – ربّما لأوّل مرّة منذ قيام الدولة - فهمًا وإدراكًا لخطورة التوجّهات الدينيّة والقوميّة المتطرّفة لدى اليهود خاصّة منذ أحداث أيار 2021 وصعود نجم اليمين المتديّن الفاشي عبر انتخاب ممثّليه إيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش للبرلمان، وخطاب الكراهية السياسيّ والدينيّ الذي يتم بثّه والداعي إلى اقتحام المسجد الأقصى وإقصاء العرب في البلاد ومنعهم من المشاركة البرلمانيّة ( اتهام ممثّليهم في الكنيست بدعم الإرهاب )،  وحتى من العمل ( سموتريتش رفض أن يتم وضع زوجته الحامل في غرفة واحدة مع نساء عربيّات تمهيدًا للولادة )، والحرب الشعواء على جهاز " الشاباك " نفسه واتهامه بالعمل لمصلحة العرب وفرض القيود على اليهود !، وصولًا إلى محاولة ودعوات لمنع من يخالفهم الموقف من اليهود من دخول الكنس، وعدم التنديد بالتهديدات باغتيال رئيس الحكومة نفتالي بينيت عبر إرسال عيارات ناريّة حيّة إلى أفراد عائلته ورسائل تهديد، وهو دليل خشية في الشاباك من تكرار مواجهات بين العرب واليهود على شاكلة أيار 2021 غذّتها جماعات دينيّة متطرّفة دعت أتباعها إلى اعتداءات على العرب، ومهاجمتهم في المدن المختلطة وحتى قتلهم  .
خلاصة القول أن  انهيار الدولة بكاملها قد يكون مرافقًا للانهيار الاقتصاديّ، أو العسكريّ، لكنه ليس دائمًا قريبًا للانهيار المجتمعيّ، والذي غالبًا ما يكون عمليّة مطوّلة، فهو يبدأ أوّلًا، ويتراكم لسنوات أو لقرون ( انهيار الإمبراطوريّة الرومانيّة والعثمانيّة) ، كما قال ابن خلدون الذي أكّد " ارتباط أطوار الدولة الخمسة بثلاثة أجيال فقط، فالجيل الأوّل يقوم بعمليّة البناء والعناية، والجيل الثاني يسير على خطا الجيل الأوّل من التقليد، أمّا الجيل الأخير فيمكن تسميته بالجيل الهادم، فالدولة لها أعمار طبيعيّة كما للأشخاص " . إذا لم ينتبه المسؤولون وواضعو السياسات إلى أن الانهيار في الدول والمجتمعات يبدأ من الداخل... وإذا كان البعض يبني وغيره، حتى لو كان قلةً، يهدم، فإن النهاية تلوح في الأفق.

هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان:
[email protected].


استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات لـ [email protected]

لمزيد من مقالات اضغط هنا
هذه الاعلانات قد تهمك
مقالات
اغلاق